غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا تصدّق خديجة لافي (16 عامًا) أن الله كتب لها عمرًا جديد بعد اللحظات المُروعة التي عاشتها تحت أنقاض منزلها المدمر.
في مشهدٍ مأساويٍ بقيت عالقةً هناك لساعات، حتى صُدمت بعد نجاتها، بأنها على موعدٍ مع معاناةٍ جديدة سترافقها (لسنوات) قادمة من عمرها الصغير -إن كُتب لها النجاة- برفقة إعاقة سمعية.

بدأت الحكاية مع أول أشهر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت يوم السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، عندما بدأت أُذناها تصدران صوت صفير، يرافق ذلك آلام شديدة، بالتزامن مع كل صاروخٍ يسقط في منطقتها فوق رؤوس الأبرياء، تقول: "قبل قصف بيتي في مايو/أيار، بدوت وكأنني فقدت السمع في إحدى أُذنَي، ولما قصف بيتي لم أعد قادرة على سماع شيء".
ويشير د. زكريا زقوت، طبيب الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة، إلى أن معظم مشاكل الأذن التي يتعاملون معها طبيًا، ناجمة عن أصوات الانفجارات المفاجئة والمهولة لصواريخ الاحتلال، قائلًا: "صدمة الصوت المفاجئ تتسبب بالعديد من المشكلات وعلى رأسها، ضيق القناة السمعية، ونزيف في "طبلة الأذن" أو تمزق في الأذن الوسطى، الأمر الذي يضغط بشدة على العصب السمعي للأذن فيُضعف السمع لدى المريض".
"صدمة الصوت المفاجئ تتسبب بالعديد من المشكلات وعلى رأسها، ضيق القناة السمعية، ونزيف في "طبلة الأذن".
ويضيف: "أهم علاجات حالات الأذن تلك تبدأ بعدم السماح للمياه بدخول الأذن بعد الإصابة، كي لا يحدث تورم أو تهتك في عصب الأذن لدى المريض"، مؤكدًا أنه في حال لم يستفيد العصب من العلاج المناسب خلال فترة معينة، يحدث تهتك ومشاكل دائمة في الأذن.
ولفت الطبيب إلى أن هناك إصابات قد تحتاج لعمليات جراحية، وأخرى قد تحتاج للتدخل بعد مرور 6 أشهر على الأقل من وقت الإصابة، "في حين أن هناك حالات لا يمكن أن تتحسن بشكل قاطع، ما يعني أنها قد تدخل في حالة إعاقة دائمة وتفقد السمع".
وتشكو ريما الخياط (7 سنوات) بشكل متكرر من آلام في أذنيها، وتقول لجدتها (وقد فقدت والدتها في الحرب)، بأنها لا تسمع ما يقولونه في كثير من الأوقات، حتى إذا كان الحديث موجهًا إليها شخصيًا.
ويشرح الطبيب المصري أيمن عبد الفتاح، أستاذ أمراض الأنف والأذن والحنجرة بكلية الطب في جامعة المنوفية، أن ما يحدث في قطاع غزة من انفجارات وقصف متواصل يكون له مضاعفات أكثر وأخطر على الأطفال خصوصًا، "فخلاياهم الحسية أقل صلابة، وقوقعة الأذن عندهم أكثر تأثرًا بالأصوات العالية".
ولا يشكو الناجون من تحت أنقاض بيوتهم المدمرة من مشكل سمعية وحسب، بل يتحدث معظمهم عن آلام في العظام لا تُطاق، وهي وفقًا لتشخيص أطباء "تهتك" نتيجة الحجارة التي سقطت فوق أجسادهم، "وعلاجها يستغرق سنوات طويلة".
السيدة فاطمة محيي الدين (45 عامًا) هي واحدة من بين تلك الحالات، حيث مكثت لساعات تحت أنقاض منزلها الذي دمره الاحتلال فوق رؤوس من فيه دون سابق إنذار، قبل أن يتمكن رجال الدفاع المدني من إنقاذ حياتها.
تقول: "من وقت ما طلعوني من تحت الأنقاض، وكل جسمي بوجعني! بحكولي ما فيكي إشي، ومش مبين عندي جرح، أو كسر. بس عظم جسمي كله مش حاسة فيه".
وتضيف: "أخبرني الأطباء بأن ما أشعر به ناتج عن كمية الردم الكبيرة التي غطت كافة مناطق جسدي، ما أدى لتهتك في العظم لدي".
وفي هذا السياق يقول د. محمد شاهين طبيب جراحة العظام بمستشفى شهداء الأقصى : "كل إصابة من إصابات العظام تختلف في التشخيص وفي العلاج أيضًا، حيث يتعرض الناجي من تحت الأنقاض لكدمات كبيرة سواء في العضلات أو في مركز الجسم نفسه".
"مع قوة الانفجار وضغط الركام، تضعف العضلات مع الكدمات، وتحدث عملية تكسير للإنزيمات داخل العضلة نفسها".
وأضاف: "مع قوة الانفجار وضغط الركام، تضعف العضلات مع الكدمات، وتحدث عملية تكسير للإنزيمات داخل العضلة نفسها، وهو ما قد يتسبب بوقف نشاطها لفترة وجيزة إن خضع الشخص للعلاج فورًا، أو لفترات طويلة إن لم يأخذ العلاج المناسب".
ويتبع الأطباء -وفق شاهين- عدة طرق للعلاج، "لكن هناك الكثير من الحالات لا يمكن علاجها في قطاع غزة لقلة الإمكانيات، وبالتالي هي بحاجة إلى العلاج في الخارج".
وأشار إلى أن هناك حالات تحتاج إلى سنوات من العلاج حتى يلتئم العظم، وذلك بفعل القصف الشديد واقتراب الشخص من المكان، "ما يجعله يفقد مساحات كبيرة من الأنسجة والشرايين والأربطة والأوتار وكذلك العظم نفسه" يعقب.
ويستمر جهاز التثبيت الخارجي (البلاتين) مع المريض في بعض الأحيان -والحديث لشاهين- ستة أشهر، وقد يطول إلى عام كامل، قبل أن تتم إزالته، ومن ثم زراعة العظم، ملفتًا إلى أن حالات البتر التي تصل المستشفيات لا يمكن إحصاءها، لا سيما بسبب التسمم من الإصابة، "وتوجد حالات يتم تشخصيها بالبتر، لكن يحاول الأطباء ترميمها قدر المستطاع، ووفق الإمكانات المتاحة، ويستمرون في المحاولة حتى اللحظة الأخيرة" يتابع.
ويتحدث الطبيب شاهين، عن الضغط الشديد الذي تتعرض له المستشفيات الحكومية العاملة جنوبي القطاع، أوقات وقوع المجازر، "إذ لا يمكن استيعاب كل الحالات خاصة وقت القصف الكثيف، ولا يمكن التعامل مع الحالات بالشكل المطلوب".
وناشد شاهين، المجتمع الدولي، بضرورة الضغط على دولة الاحتلال لوقف الحرب، وتوفير العلاجات المطلوبة لجرحى غزة، "ففي بعض الأحيان لا نتمكن من توفير المضادات الحيوية للجرحى، بالإضافة إلى ندرة العلاجات المتعلقة بالعظام كفيتامين (د)، والكالسيوم، ومضادات التهاب العظام، وهو ما يؤثر أيضًا على حالة الجريح، ويؤدي لتراجعها".
























