شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م13:35 بتوقيت القدس

شهيدان.. توأمان بعمر 4 أيام

"دقائق" بين شهادة ميلاد.. ووفاة!

20 اعسطس 2024 - 12:12

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كانت أحلامهما بسيطة وعادية، كأيِّ أبوين ينتظران استقبال طفلهما الأول. "لقد رزقنا الله بتوأم" قالها محمد أبو القمصان بينما دموعه كانت تنهمر بغزارة.

واستدرك: "لكن قذيفة إسرائيلية وضعت حدًا لكل الأحلام والأمنيات، وبعثرت جسد الأم ومولوديها اللذان لم يتمّا من العمر 4 أيام"!

يحكي عن زوجته جمانة: "كانت أمنياتها لطفلينا كبيرة، بحجم ما كانت تحمل في قلبها من حب وحنان. كانت تريد تسميتهما آسر وآيسل، وكانت ترجو الله تحت الإبادة أن يريا أيامًا أحلى وأحسن من هذه التي كنا نعيشها".

جمانة عرفة، صيدلانية شابة، تزوجت محمد قبيل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، بشهرين، وعاشت النزوح من مدينة غزة، إلى رفح ومواصي خان يونس، وأخيرًا إلى دير البلح.

هناك بدأت برفقة زوجها تعايش فصول المعاناة، لكن هذا كله لم يمنعها من التحضير والتجهيز لاستقبال طفليها بكل ما هو ممكنٌ ومتاح.

ورغم قسوة الليالي وأيام الحرب الطوال، كانت تجوب برفقة زوجها الأسواق، وتبحث في كل مكانٍ من أجل تأمين ملابس تناسب المولودين الجديدين، في الوقت الذي كان فيه ذلك ضربًا من ضروب المستحيل، في ظل الحصار وانعدام الموارد والبضائع، وارتفاع أسعار الموجود منها أضعافًا مضاعفة.

يخبرنا محمد بينما يقلب في ملابس طفليه: "لم يكن الأمر سهلًا بالمطلق، كنا نتنقل من مكانٍ لآخر عبر المحافظات بحثًا عن قطع ملابس مميزة، كنتُ أتخيلهما في كل قطعة، لكنني لم أكن أعلم أنني لن أحظى بمشاعر الأبوة العظيمة لأكثر من ثلاثة أيام".

في ذلك اليوم، وبينما كانت جمانة ترد على تهاني الأهل والأصدقاء بولادة الطفلين، وسلامتها، كان محمد يتجهز للانطلاق إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، وسط قطاع غزة، من أجل استصدار شهادتي ميلاد للطفلين.

قبل أن يخرج، حاول أن يشحن مشاعرها ممازحًا. "لا تعجبني الأسماء التي اخترتها. سأسميهما بأسماء أخرى عندما أصل إلى هناك".

خرج محمد ضاحكًا على رد فعلها، وهي التي كانت متمسكة حتى آخر نفس باسميهما معًا، "فهما برأيها متجانسين وقريبين، ولطيفين"، وصل إلى هناك، وبالفعل، أسماهما كما أرادت. أخذ الشهادتين ومضى في طريقه يتصل بجمانة! زوجته الصيدلانية الطيبة.

"لا رد. حاولت الاتصال كي أطمئنها بأن الشهادتين معي، وبالاسمين اللذين اختارتهما بنفسها، لكنها لم ترد" يحكي الأب المفجوع بمقتل طفليه وزوجته بتأثر.

ويتابع: "فوجئت باتصالٍ من أحد الجيران يخبرني أن البناية التي أسكنها استُهدفت، وأن زوجتي وأطفالي في مستشفى شهداء الأقصى. قلتُ له أنا هنا في المشفى، قال تعال إذن".

حاول أن يقنع نفسه بأن إصابتهم بسيطة، وأنهم غادروا المشفى، لكنه فوجئ بهم هناك، في ثلاجة الموتى!

هرع محمد إلى قسم الاستقبال يبحث عن جمانة، وابنيه، وجدتهما، فلم يجد أحدًا. حاول أن يقنع نفسه بأن إصابتهم بسيطة، وأنهم قد غادروا المشفى، لكنه فوجئ بهم هناك، في ثلاجة الموتى!

بدأ محمد اليوم، يفهم تصرفات جمانة قبل أن تستشهد، وإصرارها في كل زيارة للطبيب على التقاط صورة للأجنة، ومكوثها لساعات تحادث الصورة وتتأملها، وكأنها كانت تشعر بأنها وأطفالها لن يحظوا بكثير من الوقت معًا في هذه الحياة.

جمانة تلك الطبيبة الصيدلانية التي يصفها زوجها وجميع من عرفها بأنها رقيقة القلب، معطاءة إلى حد لا يمكن توقعه، "طموحة" يقول محمد.

ويتابع: "خسارتي فيها لا يمكن أن تُعَوَّض، كانت مفعمة بالحياة ومحبة لها، وقد حصلت على منحة لاستكمال دراستها العليا في بريطانيا، وعقد عمل في أبو ظبي".

كان من المفترض أن يسافر الزوجان معًا إلى أبو ظبي في منتصف أكتوبر 2023م، لولا أن الحرب قلبت كل الموازين، وجعلتهما يعيشان كل فصولها الموجعة، حتى كتب الفصل الأخير: زوجة شهيدة، وطفلان عمرهما أربعة أيام غادرا الحياة التي لم يريا منها شيئًا برفقتها.

يزيد بحسرة: "أنا لم أحظ حتى بصورة تجمعني وطِفلاي، لم يمهلنِ القدر الوقت الكافي لاحتضانهما، أن أتفحص ملامحهما، وصوت بكائهما. أن أشاهدهما وهما يرتديان تلك الملابس التي حرصنا على اقتنائها لهما، قطعة قطعة".

ما زال الوالد والزوج المكلوم غير مصدق بأن هذه نهاية المطاف لرحلة النزوح والخوف والحمل والوضع، وأنه فقد لقب أب بعد أيام من استحقاقه.

يتساءل بحرقة: "ما الذنب الذي اقترفته زوجتي التي لم تشفَ بعد من جرح ولادتها القيصرية؟ ما ذنب طفلين لم يريا شيئًا بعد من هذه الحياة ليقتلا ويحرقا بهذه الصورة؟ ما ذنب هذه القصة كي تنتهي بهذه الصورة البشعة؟".

وهكذا اغتالت قذيفة إسرائيلية غادرة أحلام شابة فلسطينية، كانت تتطلع لأن تكون أمًا بمواصفات مختلفة، وضعت رؤية وخطة لتفاصيل حياتها برفقة زوجها وطفليها، وبنَت في خيالها أحلامًا كثيرة للتعليم والمستقبل!

كاريكاتـــــير