غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"حلب يا حبايب. وصل بياع الحلب"، صوتٌ اختفى منذ عشرة أشهر، لكنه عاد يصدح في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، بين أطفال النازحين الذين ينتظرون قدومه لحظةً بلحظة.
يقول محمد (12 عامًا): "لعلَّ سكاكره تحلّي ولو جزءًا من مرارة ما نعيشه في هذه الخيام". يهرول الطفل ناحية أمه ويطلب مصروفًا له ولشقيقه الأصغر، ثم ينطلق إلى بائع الحلب، ويشتري اثنتين، ويعود متلذذًا بحلوى محلّاة حرمته الحرب من غيرها منذ اندلعت في السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي.
في مناطق النزوح، تعمد بعض الأسر إلى صنع الحلوى المنزلية، وبيعها للنازحين والمواطنين، لا سيما وقد أعدمت الحرب كل الخيارات أمامهم للاستمتاع بطعم الحلويات اللذيذة. لا شوكولاته، ولا جيلي للأطفال، ولا مارشميلو، وإن وُجدت فبأسعار تفوق قدرة العقل على الاستيعاب. عادت حلويات زمان لتتصدر القائمة: الحلب، والعوامة، وبعض لفائف القرفة، والزلابيا، والبسبوسة في حال تواجد السميد.
"لا شوكولاته، ولا جيلي للأطفال، ولا مارشميلو، وإن وُجدت فبأسعار تفوق قدرة العقل على الاستيعاب".
بائع الحلب في قصتنا طفلٌ أيضًا، اسمه أيمن، ولا يتجاوز عمره العاشرة، يبدأ جولته اليومية انطلاقًا من مدينة حمد، فيحمل فوق رأسه صينية الحلب، ويمشي وينادي بصوته العذب "حلب.. وصل بياع الحلب"، ثم يعود نهاية النهار وقد جُبر خاطره -وفق تعبيره- فيتمكن من تدبير مصاريف أمه وأخوته بعدما اعتقل والده.
وترى والدة محمد في توفير أنواع من الحلويات والمشروبات الباردة، بأسعارٍ قريبة من أسعار ما قبل اندلاع حرب الإبادة في قطاع غزة، بتاريخ السابع من أكتوبر، وسيلةً جيدة للتحايل على متطلبات وتطلعات أطفالها التي لا تكاد تتوقف، في ظل انتشار البسطات التي يوجد عليها ما لذ وطاب ولكن بأسعار فلكية، وفق وصفها.
أما أم نعيم، التي اكتفت بذكر كنيتها، فقد وجدت في صنع البراد المثلج ضالتها، بعد أن فقد زوجها مصدر رزقه الوحيد، إثر تجريف دفيئته الزراعية ونزوحهم إلى مواصي خانيونس.
تقول لـ نوى: "حينما نزحنا من منزلنا جلبنا معنا الخلايا الشمسية ومنظومة الطاقة الشمسية كاملة، وحتى أدواتنا الكهربائية، وهو ما أتاح لي فرصة صناعة البراد وبيعه للصغار والكبار، الذين يبحثون عن أي مشروب مثلج في ظل ارتفاع درجة الحرارة، والافتقار حتى لشربة ماء باردة".
البداية كانت أنني كنت أبحث عن أي بديل متاح يمكنني من خلاله إسكات شهية أطفالي المفتوحة نحو كل ما هو مكلف في السوق، ووجدت أن صنع البراد المثلج سيكون بديلًا محببًا لأطفالي، وكذا لغيرهم من المحيطين.
من أجل توفير متطلبات أفراد عائلتها، لجأت آيات لصناعة لفائف القرفة "السينابون"، المحببة لجميع الفئات، على فرن الطين، المتوفر في مكان نزوحها.
أما الثلاثينية آيات فقد أيقنت أنها إن لم تفعل شيئًا أمام موجة الغلاء المستفحلة، ستموت وأطفالها جوعًا، فما كان منها إلا أن لجأت إلى صناعة لفائف القرفة "السينابون"، المحببة لجميع الفئات، على فرن الطين، المتوفر في مكان نزوحها لدى أقارب زوجها غربي خانيونس، بالقرب من أصداء.
تخبرنا: "لم يأخذ الأمر مني كثيرًا من التفكير. صحيحٌ أنني في وقت من الأوقات كنت أضطر لرفع ثمن القطعة إلى شيكل ونصف، بسبب ارتفاع ثمن السكر، لكن اليوم أنا أبيع القطعة بشيكل واحد، وهذا في متناول يد الكثير من الأطفال والكبار".
واختفت من البسطات التي تعرض الحاجيات المحببة للأطفال، كل أشكال السكاكر المعتادة، كـ الجيلي والسد العالي، والشتوي، وأنواع الشوكولاتة المختلفة، وكل ما يتوفر هو عبارة عن بسكويت العجوة الذي يأتي عبر المساعدات الغذائية، ويلجأ أصحابها لبيعها بثمن مرتفع، وحتى الأنواع التي أصبحت متوفرة اليوم بكثرة، جميعها تفوق قدرة المواطن على الشراء.
وحسب بيانات حديثة، وصلت معدلات الفقر إلى أكثر من 85%، وتعطَّل أكثر من 90% من السكان عن وظائفهم، ويأتي ذلك في الوقت الذي بلغت فيه نسبة انعدام الأمن الغذائي 96%، عدا عن اعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية شبه المتوقفة منذ بدء العملية العسكرية في رفح.
























