غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في الخلفية صراخٌ كثير ودموعٌ تهطل كالمطر. وفي كادر الصورة عشرات الشبان والنسوة ينبشن بأظافرهم الأرض بحثًا عن شهداء. تصدح التكبيرات فجأة بعدما يصرخ أحدهم: "هاي راسه. هاي راسه".

"مجزرة جديدة، والمبرر جاهز"، تقول أم محمد ياسين بانفعال بينما تشارك الشبان النبش عن جثث، بعد حزامٍ ناري شنّته طائرات الاحتلال الحربية من نوع F16، على منطقة المواصي غربي مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.
حسب شهود العيان، فقد شُنّت غارات عنيفة قرب منطقة "النص" القريبة من البحر، وهي منطقة تكتظ بالمواطنين والنازحين، وتعد سوقًا مركزيًا لمواصي المدينة الجنوبية. يقول عبد الله حميد: "كنا في خيامنا، وإذا بحزام ناري، بقوة قنابل عالية جدًا يضرب المكان. الشظايا تطايرت وأصابت الخيام والنازحين فيها أيضًا".
يحمل رجلٌ مسنٌ طفلًا في العاشرة من عمره، بعد أن انتشله حيًا، مضرجًا بدمائه، ويسأل بصوتٍ عالٍ: "لمين هذا الولد؟". لا أحد يجيب، فالكل منشغلٌ في البحث عن الذين كانوا قبل قليلٍ فقط، في نفس المكان يضحكون "صمودًا"، أو مكابرةً على الوجع ربما.
سيدةٌ تضع رأسها بين يديها وتبكي، وتنظر في كل الوجوه، لعلها تجد ضالتها في وجه أحد الناجين هنا، وأطفالٌ يهرولون ويبكون، لا يعرفون لهم وجهة! تتساءل طفلة: "إيش ذنبنا احنا علشان نعيش كل هادا؟ إيش ذنب الأطفال".
سيارات الإسعاف والدفاع المدني هرعت إلى المكان لإخلاء الشهداء والجرحى، بينما كانت سيارات النقل العام، والسيارات المدنية، وحتى عربات الكارو حاضرة للمساعدة.
ووفقًا لوزارة الصحة بغزة، فإن حصيلة مجزرة الاحتلال بحق المواطنين والنازحين في منطقة مواصي محافظة خان يونس، اليوم، أكثر من 71 شهيدًا، و289 إصابة، بينها حالات خطيرة، ما زالت الطواقم الطبية تتعامل معها حتى اللحظة.
في مستشفى ناصر الطبي، يمسك رجل يبدو في الخمسين من عمره رأس والده الشهيد، ويصرخ باكيًا بكل ما جال في خاطره من كلمات: "يا الله، حِن على دماء الشهداء يا الله، يا الله انتُهكت حرماتك وهذا الدم حرام يا الله"، بينما يحاول الناس تهدئته.

بالقرب منه، يفتح شابٌ الكفن عن وجه شقيقه الشهيد، وينتحب بشدة. يناديه: "يوسف، قوم يا حبيبي، قوم أنا أخوك يا حبيبي أمانة تقوم".
يحكي رجلٌ كان داخل المستشفى، وقد خرج وقميصه يقطر دمًا: "الحمد لله، راحوا عند ربنا. كل مرة بيعملو مجزرة في الخيام وبيقولو كان في مطلوب! هذا المبرر الجاهز صار مكشوف، كلنا مطلوبين. كل فلسطيني على أرض غزة هو مطلوب للاحتلال".

الطواقم الطبية، وطواقم الدفاع المدني، ما زالت رغم استهدافها، وسقوط شهداء من بين أفرادها، حتى لحظة نشر هذا التقرير، تعمل على انتشال المزيد من الشهداء والجرحى من مكان الاستهداف.
وفي ظل تهالك المنظومة الصحية، مع دخول الحرب شهرها العاشر، يبدو من الصعب استقبال هذا العدد الكبير من الشهداء، وإنقاذ العدد اللامتناهي من الجرحى، الذين يحتاج معظمهم لعمليات بتر، أو تحويل للعلاج في الخارج.
وترتفع حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر للعام 2023م، وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي، بعد هذه المجزرة، إلى 38443 شهيدًا، و 88481 إصابة.
























