غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أمام خيمتها التي مزّقت طرفها أسنان كلبٍ هائج، تجلس أم محمد (62 عامًا) تطالع صور المعرض في هاتفها المحمول. تقف بإصبعها فجأةً على صورةٍ، وتردد بعد تنهيدة: "ياااا الله"، ثم تنادي ابنتها ريهام: "شوفي يا ريهام، قديش كان أبوكي مبسوط بهالصورة".
الصورة كانت للأب، الشهيد، في الأضحى الماضي، مع خاروفٍ اشتراه، والتفّ حوله أحفاده، بينما ابن ريهام نفسها البالغ من العمر عامين يمتطيه ويضحك!
ذرفت الشابة دمعةً، وقالت: "الله يرحمه يما". استشهد والد ريهام، في الثالث عشر من أكتوبر الماضي، عندما استهدف طيران الاحتلال الحربي شاحنةً كانت تسير في شارع صلاح الدين، وتُقل نازحين من مدن غزة والشمال، إلى مناطق جنوبي القطاع، التي دفع الاحتلال الإسرائيلي النازحين للإخلاء إليها بزعم أنها "آمنة".
الصورة كانت للأب، الشهيد، في الأضحى الماضي، مع خاروفٍ اشتراه، والتفّ حوله أحفاده، بينما ابن ريهام نفسها البالغ من العمر عامين يمتطيه ويضحك!
"منذ ذلك الوقت، لا طعم للحياة"، تقول الشابة، وتبكي، ثم تكمل: "صوره في جوالاتنا هي اللي مصبرانا بس".
وتخبرنا زوجته أم محمد، أن زوجها كان مُطعمًا للناس، ولم يتوقف عن ذبح الأضحية منذ تزوّج! تعلق: "ها هو عند ربِّه. لن يذبح هذا العيد أضحية، ولن نجتمع لنقسّم الحصص في أرضية مطبخنا الكبير، ولن يُفطر من "المعلاق" الذي يحبه، ولن نتشاجر على تنظيف الفوارغ".
تبكي، وتكمل: "ليته يعود، وتنتهي الحرب، ويفرح الأطفال بملابسهم الجديدة، وأنا سأطهو له الفوارغ كل يوم".
تنظر السيدة إلى خيمتها، وتكمل: "أين العالم ليرى كيف نُذبح نحن؟ هل حقًا يستعدّون للعيد؟ أين العالم ليرى أن هناك أناسًا عادوا لحياة الخيام؟ أين الطوّافون حول الكعبة؟ ألم يسمعوا عن الجائعين العطشى هنا؟".
في دير البلح، وسط قطاع غزة، وداخل مخيمٍ للنازحين، أقامت أم محمد خيمتها، بعدما وصلت من شارع المنصورة، في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة. نعم إنها تعيش هنا منذ ثمانية أشهر، بعدما لم تتمكن من البقاء في مدرسة نازحين أكثر من أسبوع، بسبب ظروف المشاركة الصعبة هناك.
على بعد لفّتين وعدة خيام، تحدّثنا مريم المقيد عن استعداداتها لعيد الأضحى الماضي، وتقلّب معرض الصور. تشير ناحية هاتفها وتقول: "هذه نهى ابنتي الكُبرى. انظروا إلى فستانها، اشتريته لها من ديفاكتو. وهذا يزن الصغير، تعبتُ وأنا أبحث له عن حقيبة "ولادي" عليها صورة سبايدر مان. لا أستطيع وصف فرحته عندما رآها، جمع فيها العيدية".
قربنا وقفت نهى، وقالت: "يا ريت تشتريلي فستان يا ماما، مش بيكفي العيد الماضي مالبسناش فساتين"، وتتابع: "كنا كل عيد، ماما تاخدنا وتشتريلنا أواعي، وبابا يجيبلنا شوكولاته من كل الأنواع. وكانت ستي تعمل معمول".
هنا بكت نهى، وفتحت صورة حماتها، التي آثرت البقاء في مدينة غزة، حيث بيتهم في معسكر جباليا للاجئين الفلسطينيين شمالًا. وأضافت: "هاي عمتي، كعكاتها فش أزكى منهم. وفش أطيب من قلبها، الله يحميها هي وعمي".
بقيت الجدة في بيتها لأنها كانت تريد ألّا تُكرر "نكبة" أمها، ولا حكايات جدتها التي أخبرتها كيف ضاعت البلاد -وفق تعبير مريم- التي زادت: "كل عيد كنا نضحي، كان عمي يشارك في عجل، وناكل لحمة، ونوزع الحصص. يا الله لو ترجع هديك الأيام".
تحكي نهى عن حلمٍ تصفه بـ"البعيد جدًا"، وهو أن تنتهي الحرب في التو، وتلبس نهى (المسماة باسم جدتها) فستان العيد الجديد، وأن يلتقي الجمع بعد فراق 8 أشهر، ولو على ركام بيتهم المدمر في جباليا.
ويحكي عبد الله ياسين، القادم من حي الزيتون إلى نفس المخيم، عن طقوس الأضحى، ومسجّل والده "الختيار"، الذي يصدح طوال النهار بالتكبيرات، على مدار الأيام العشرة الأوائل من ذي الحجة! يزيد: "كان أبي يجمع حوله الأطفال، ويرددون التكبيرات، ويضحكون".
ويقول: "لا شيء يمكن أن يرجع أيام الهناء تلك، أبي راح إلى ربه بسبب المرض الذي أنهكه خلال 4 أشهر من الحرب، فهو يغسل الكلى، ولم يحتمل واقع المستشفيات المرير".
"هذا هو العيد الثاني لهم هنا. في هذه الخيمة، بدون ملابس جديدة، ولا حلوى، ولا معايدات، ولا حتى عيدية".
ينظر عبد الله إلى أطفاله الصغار، ويفتح صورة التقطها لهم في عيد الفطر الماضي أمام الخيمة، وقال: "هذا هو العيد الثاني لهم هنا. بدون ملابس جديدة، ولا حلوى، ولا معايدات، ولا حتى عيدية. التقطت الصورة للذكرى، كي يعرفوا عندما يكبرون وتتحرر الأرض، أنها لم تتحرر بالساهل، وأننا دفعنا من أجل ذلك الكثير".
يشرد بذهنه قليلًا، ثم يكمل: "يا الله، كم كانت أمي ترغب بالذهاب إلى مكة، وكم كان أبي يحب جو الأضحية. رحمه الله".
يلتف أطفال عبد الله حوله، وينظرون إلى الصورة، ثم يطلبون منه التنقل بين الصور الأخرى، فرأوا واحدةً كلهم فيها يضحكون أمام باب بيتهم. ضحكوا مجددًا عندما تذكّروا سن "أيمن" الصغير الذي أكله الفأر، ولكن هذه المرة أمام باب خيمة!
























