شبكة نوى، فلسطينيات: وقف سلّام أبو عصب واجمًا أمام دفق الدموع، لا يدري أيًا من أختيه التوأمين يواسي. فهذه جرحها حارٌ، وتلك جرحها لم يندمل بعد. كل واحدةٍ منهما أضحت "أم شهيد"!
سميرة أبو عصب، كانت تجلس قرب شقيقتها ليلى، تربت على كتفها وتكفكف عن خديها دموعها، وتهمس في أذنها بأن "الله اختار لابنها محمد داوود مكانًا أفضل وأحلى"، لتنخرط هي الأخرى في دوامة بكاء مهيبة، عندما أدركت أن القدر الذي لم يفرقهما عن بعضهما في بطن أمهما، اختار أن تكونا معًا في نفس الموقف على بعد عامٍ فقط.
عند حاجز حوارة جنوب نابلس، استشهد في التاسع عشر من أغسطس/ آب الجاري "محمد" ابن ليلى، ملتحقًا بركب صديقه وابن خالته سميرة "نادر" الذي استشهد في الخامس عشر من آذار/ مارس 2022م برصاصتين في الصدر، على مرأى ابن خالته ليلى "محمد"، عندما كانا يحاولان المشاركة مع فتية مخيم بلاطة شرقي المدينة في التصدي لاقتحامات الاحتلال المستمرة.
محمد ونادر لم تربطهما صلة القرابة وحسب، كانا شقيقي روح، تمامًا كما أمهما اللتان كانت علاقتهما ببعضهما "غريبة". تشبه إلى حدٍّ ما كل ما تسمعونه عن تواصل التوائم وارتباطهما القلبي والشعوري!
الخال سلّام لم يتوقف عن التربيت على كتفي الاثنتين، مذكرًا إياهما بمكانة ابنيهما في الجنة، وأنهما سيكونان شفيعين لهما يوم القيامة. وقال: "كل ما حدث غريب. انتقلت شقيقتي أم نادر إلى بيتٍ جديد خارج مخيم بلاطة، لتسوق الأقدار أختها بعد فترةٍ وجيزة إلى السكن في بيتٍ مجاورٍ لبيتها تمامًا، وهذا كان له انعكاسه على علاقة أبنائهما ببعضهم. بالذات محمد ونادر القريبين في السن، كانا يمضيان الكثير من الوقت معًا، سواءً في المدرسة أو بعدها".
ويتابع: "كان فقدان نادر فاجعة، بالنسبة للعائلة كلها، ولمحمد تحديدًا. لقد كاد يفقد عقله، لكنه تماسك ووقف عند قبره يعاهده على متابعة المشوار".
كان الناس ينادون محمدًا بـ"أبي عصب" نسبةً لعائلة أمه، ووفقًا لأصدقائه كان اسمًا على مسمى. "كان يفضل المواجهة في حياته عمومًا حتى آخر نفَس. ليس بالسهولة أن ينسحب" يقول أحدهم.
ويكمل آخر: "استشهد في اشتباك. عندما التحم ومجموعة من أصدقائه مع قوات الاحتلال التي أنهكت الناس ذلًا وقهرًا قرب حاجز حوارة العسكري جنوبي نابلس. أصيب فجر الأربعاء 16 آب بسبع رصاصات! خمس منها في صدره، تُرك بعدها ينزف لساعات بسبب عرقلة الجنود وصول الإسعاف، ثم نقل إلى مستشفى المدينة وخضع لعمليات جراحية".
بقي محمد مربوطًا بأجهزة التنفس الصناعي حتى أعلن عن استشهاده بعدها بثلاثة أيام. السبت 19 أغسطس الجاري، ليترك ندبةً في قلب أمه، ويفتح جرح خالته الثكلى من جديد.
تقول خالته ليلى: "كان دائمًا يخبرني بأنه سيلحق بنادر قريبًا، بينما كلنا كنا نحاول ثنيه عن أي مخاطرة (لأن القلب لا يحتمل وجعين). لقد حقق ما تمنى رحمهما الله، وها هما جارين في مقبرة شهداء مخيم بلاطة".
يعقب الخال سلّام بالقول: "هؤلاء شباب فلسطين. ألم يكن من حق هذين الشابين أن يعيشا طفولةً آمنة، وفتوّةً يبنيان فيها أحلام المستقبل؟ لكن ماذا فعلا؟ لقد انخرطا في مقاومة المحتل التي أتعبهم قهرًا وانتهاكًا للحقوق. هذا ليس يأسًا بالتأكيد، بل هو رد فعل طبيعي على جرائم لا تفرق بين طفل وعجوز وامرأة وشاب وبيت وحجر وشجر. وهذه نتيجة الدعم الدولي لعنجهية الاحتلال".
هنا تعانده الدموع فتسيل بغزارة. يصمت قليلًا، ثم يكمل: "كانت كل واحدة من شقيقتَيَّ تحلم باليوم الذي ترى فيه ابنها يكبر. كل واحدةٍ منهما بنت لابنها حلمًا عظيمًا، لكن الاحتلال يأبى للأحلام هنا أن تكتمل".
























