شبكة نوى، فلسطينيات: تعرف عربتُهُ طريقها جيدًا، تجوبُ شوارع مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، دون أن تُسقط -ولو سهوًا- أيًا من أزقتها المتوارية عن الأنظار من قائمة زيارات صاحبها ياسر بركة.
الرجل الثلاثيني، مثله مثل عشرات الشباب، ممن لم يجدوا في طريقهم سوى مهنة شراء وبيع الخردة "سيما البلاستيكية منها"، لتقيهم ذل السؤال، وتؤمن مستلزمات عائلاتهم من حياةٍ كريمة.
ما أن تبزغ شمس الصباح، حتى تبدأ رحلته. عبر مايكروفون صغير يصدح بصوته مناديًا كل من يملك جهازًا معطوبًا، أو كمية من البلاستيك، أو الألمونيوم، أو النحاس، غير ذات الجدوى عنده، كي ينزل إليه فورًا، ليشتريها منه.
(ألمونيوم، نحاس، ثلاجات خربانة، غسالات خربانة، برابيج خربانة، براميل مكسرة للبيع)، وكلُّ هذه المكوّنات تضجُ بها عربته، يعود في منتصف اليوم أو نهايته، وقد امتلأت حتى حلقها، "بالمحصلة، هي نفاياتٌ منزلية، أشتريها بثمنٍ زهيد، ثم أنطلق بها نحو مصنع البلاستيك شرقًا لأبيعها وفق ما هو متفق عليه مع صاحبه، كل قطعةٍ بقطعتها" يقول.
شرق المحافظة، هناك حيث يستقر مصنع جرش البلاستيك "تمهيدًا لبيعه وتوزيعه على مصانع متخصصه"، يبدأ ما عدده 15 عاملًا بتصنيف "البلاستيك" حسب نوعه وكيفية تدويره.
يقول بسام أبو جامع، أحد العاملين هناك لـ "نوى": "نعمل هنا منذ عام 2007، المحظوظ فينا من بقي في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية داخل قطاع غزة، هذه الانتكاسات المالية الصعبة، اضطرت صاحب المصنع أكثر من مرة لتقليص عدد العمال هنا".
يعمل مصنع البلاستيك، على تحويل النفايات البلاستيكية "التي يستلمها من الباعة أمثال صديقنا بركة" إلى بلاستيك مجروش. العملية تمرُّ بعدة مراحل، تبدأ من شرائها، ثم فرزها حسب النوع واللون وطريقة التدوير عبر ما يسمى بالنفخ أو الحقن، ثم أخيرًا عملية "الجرش" من خلال ماكناتٍ خاصة، قبل تجميعها في أكياس، تحضيرًا لتوزيعها على مصانع البلاستيك المنتشرة في محافظات غزة.
يحرص أبو جامع، على التأكد من أن هذا البلاستيك، لا يُستخدم في صناعة أيٍ من المعدّات أو الأواني البلاستيكية المعدة للطعام "وأن إعادة تدويره تنحصر في صناعة أدواتٍ منزلية مثل المجرود، والسِلال، والبرابيج، بعيدًا عن كل ما يخصُّ الغذاء".
وكما كل مهنة لها مصاعبها، يختصر الشاب أبو جامع الصعوبات التي تواجه عمله في المصنع بساعات قطع الكهرباء، التي يمكن أن تؤثر على إنتاجية العمل وتضطر العمال إلى محاولة إنجاز الأعمال التي لا تحتاج إلى كهرباء حتى عودتها.
يغزو الرضا ملامح أبو جامع، و14 عاملًا غيره، كونهم يعملون في مصنعٍ أوجد لهم مصدرًا للرزق في ظل انعدام الفرص تقريبًا داخل قطاع غزة. هم يعلمون جيدًا أنهم يقدمون خدمةً للبيئة في قطاع غزة، من خلال تقليل النفايات البلاستيكية التي كان يمكن أن ينتهي بها الحال في مكبات النفايات الضخمة، التي يعاني قطاع غزة من تبعات وجودها منذ سنواتٍ طوال.
ما يعكر صفوهم فقط، فشلهم أحيانًا في تسويق ما يتم تجهيزه من بلاستيك مجروش معد للتصنيع.
ومن جنوب قطاع غزة إلى شماله، حيث يواصل محمد السلطان العمل داخل مصنعه الخاص بإعادة تدوير البلاستيك في مدينة بيت لاهيا، بعد شراء أطنانٍ منه مجروشًا.
يبدأ العمل بغسل الكمية داخل أحواض ماء للتأكّد من إزالة جميع الشوائب، ومن ثم تسخينها على درجة حرارة محددة.
يشير السلطان بسبابته إلى الماكِينات التي تحتوي على كميات من البلاستيك المنصهر، والمعد للانتقال إلى قوالب محددة حسب الصنف المراد تصنيعه، ويقول: "هذه الكميات من البلاستيك كانت ستكون عبئًا على البيئة بغزة، سواء بقيت كما هي أو حتى تم التخلص منها بالحرق أو الدفن، لكن بهذه الطريقة يتم تدويرها، وتستغل في صناعة أدوات منزلية لا غِنى عنها".
"كل خامة من البلاستيك، تختلف عن غيرها في درجة حرارة الانصهار"، تبعًا للسلطان، وذلك حسب نوع المنتج الذي سيتم تصنيعه.
يعقب: "درجة الحرارة تتراوح ما بين 70 و200 درجة مئوية، يُصهر البلاستيك بواسطتها، ثم ينتقل إلى ماكنات الحقن التي تقوم بكبسه في قوالب حديدية خاصة بمنتجات معينة، مثل "المجرود" أو "علاقات الملابس"، أو "عظمات للأسلاك الكهربائية".. أدوات خاصة بالدراجات النارية، وألعاب أطفال، وكراسي".
يؤكد السلطان بشدة، على أن أيًا من هذا البلاستيك المصهور في مصنعه، لا يمكن استخدامه في صناعة أي أدوات للطهي أو الشرب.
ووفقًا له، يُنتج المصنع يوميُا ما يقارب 2000 إلى 6000 منتج، وفقًا لساعات وصل الكهرباء، التي تشكل تهديدًا لحجم الإنتاج، واستمرارية العمل فيه.
ويبلغ متوسط النفايات المنزلية في فلسطين، قرابة 716 طنًا يوميًا، حوالي 12% منها "بلاستيك
بحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2018.
ويعتمد أكثر من 75 مصنعًا في قطاع غزة، على البلاستيك المهروس في خطوط إنتاجهم، بعضها يُنتج الكراسي، ولعب الأطفال، وخراطيم المياه، والجالونات، بينما يُنتج البعض الآخر الحصير، بحسب وزارة الاقتصاد بغزة، التي تؤكد أن مصانع البلاستيك المعاد تدويره، ممنوعةٌ تمامًا من إنتاج الأدوات التي تُستخدم في الاستهلاك الآدمي، بما في ذلك الأدوات المنزلية.
























