نابلس/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تارةً نحو اليمين، وثانية تقفز إلى اليسار، تتلقف الضربات من خصمها، وبسرعةٍ عالية تصدُّها في محاولةٍ للتغلب عليه، وتحقيق الفوز.
يضجُّ المكان بصخب الموسيقى الغربية التي تحرك سواكن الجسد، فتُلهب الحماسة والنشاط، وترمي خلف ظهر المشهد كل تثبيطٍ خلفه الحجر بسبب جائحة "كورونا".
صار منزل عائلة شيماء أبو نعمة (20 عامًا) أشبه بنادٍ صغيرٍ أو صالةٍ رياضية مغلقة، لقد تحول كل شيءٍ إلى ضجيج! لكنه من نوع الضجيج المُحبب، فالموسيقى، والقفزات، وأصوات الكرات البلاستيكية البيضاء وهي تقلع من أسطح مضاربها المخصصة، رسَمَ الصورة بالكامل: هنا تقطُن عائلة احترفت لعبة تنس الطاولة، بينما تربعت على العرش ابنتها شيماء.
شيماء -لاعبة تنس الطاولة الفلسطينية- حوّلت بيتها إلى فضاءٍ رحب، بعد أن ضاقت البلاد وأغلقت النوادي الرياضية والملاعب وحتى الشوارع، بعد أيامٍ قليلة من انتشار الفايروس.
"هنا قررت رفض كل المثبطات، بحثت عن حل يعوضني، صار بيتي هو النادي، وصار البديل عن الأدوات أثاث المنزل" تقول.
خلال فترةٍ وجيزة، توفرت أدوات اللعب من مضارب وكرات، وبظرف ثوانٍ، تحولت منضدة الطعام الرئيسية إلى ساحة معركة بين شيماء ووالدها أحمد أبو نعمة، اللاعب المحترف ومدرب المنتخب الفلسطيني لكرة تنس الطاولة، بينما كانت طاولةً أصغر من نصيب إخوتها السبعة، فتنس الطاولة لا تخص في هذا المنزل شيماء، وحسب.
وقت التدريب تضاعف من ثلاث إلى خمس ساعات يوميًا، لقد ساعدها الجو العائلي خلال التدريب كثيرًا. كانت ترتدي برفقة ذويها ملابس الرياضة، وتلعب معهم بروح المنافسة والحضور الجماهيري، وكأنها تدرك أن أزمة "كورونا" لن تقف عند شهرٍ واحد، أو اثنين.
في فيديو بثته شيماء عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، ظهر جليًا حجم شغف الفتاة الغارقة في بحر اللعب، عندما حكت عن مشوارٍ طويلٍ من عشق هذه اللعبة، رافقها مذ كانت ابنة 7 سنين.
وعلى "فيسبوك" أيضًا، حضرت شيماء اللاعبة المحترفة، التي حققت نجاحات كبيرة ببطولات محلية وعالمية، حتى باتت تعرف ببطلة فلسطين الأولى في تنس الطاولة، وهذا اللقب جعلها تتحدى الصعاب لتبقيه خاصًا بها رغم كل الظروف.
مبادرات خلاَّقة
تأثرت فلسطين كغيرها من الدول بجائحة "كورونا"، وأعلنت المنظومة الرياضية أن استمرار النشاط الرياضي بمختلف أنواعه، مرهونٌ بالتوصيات الصادرة عن وزارة الصحّة والحكومة الفلسطينية.
كل ذلك -يقول أحمد العلي الصحفي الرياضي الفلسطيني- دفع بالرياضيين الفلسطينيين والهواة، للبحث عن حلولٍ فردية لممارسة نشاطهم الرياضي تحت ظل الجائحة، لا سيما وأنّ أثر الفايروس كان عالميًا، عندما تسبب بإلغاء العديد من البطولات، وتأجيل أنشطة رياضية كبرى للعام القادم كالألعاب الأولمبية، "وهذا ما فعلته شيماء" يزيد.
يصف العلي فكرة شيماء، بأنها تفكير خارج القمقم، "يدلل على احترافيتها وشغفها"، لا سيما وأنها تمكنت من تحقيق هذا الإنجاز بإمكانيات بسيطة، متحدثًا عن ظهور ألعاب "أون لاين" خلال فترة الحجر، يجعل فيها المدرب نفسه تحت تصرف جمهورٍ واسعٍ من المتابعين والمشاهدين، عبر الشاشة الصغيرة، أو حتى بتصوير مقاطع فيديو ونشرها على مواقع التواصل
بالعودة إلى شيماء، تقول: "أضفنا لألعابنا داخل المنزل نكهة مميزة، لقد أطّرنا التدريبات بتحديات بين بعضنا عبر "بطولات بيتية"، تكون الجوائز فيها "لوحًا من الشوكلاتة"، في محاولة لكسر الجمود بشيء من المرح".
"كاد أن يحدث هذا معي، لكن التفكير خارج الصندوق، ورفض الاستسلام، ومساندة الأسرة أخرجني من هذه الدوامة طوال فترة الحجر".
لقد حرّك إغلاق الأندية وتوقف أنشطتها، المياه الراكدة في بحر الألعاب الرياضية المنزلية، بعد أن كاد يتسلل اليأس إلى نفوس عدد كبير من الرياضيين، الذين لوحظ تراجع أدائهم بسبب قلة ساعات التدريب، وعدم توفر الأماكن والظروف المناسبة لذلك، تضيف شيماء: "كاد أن يحدث هذا معي، لكن التفكير خارج الصندوق، ورفض الاستسلام، ومساندة الأسرة أخرجني من هذه الدوامة طوال فترة الحجر".
منذ فترةٍ وجيزة، عادت شيماء كما والدها وإخوتها للتدريب في ناديهم المفضل بنابلس شمال الضفة الغربية، وسط إجراءات وقائيةٍ عظمى، والتزامٍ بقواعد الصحة العامة المتعلقة بفيروس "كورونا"، لكنها تؤكد أنها وعائلتها لم يسقطوا من قائمة خياراتهم "ناديهم المنزلي الخاص"، واللعب فيه تمرينًا وتدريبًا، ولم تزل طاولات الطعام تقف عند شارة البدء وأهبة الاستعداد، "فكل شيء مباح ما دام يندرج تحت مظلة تنس الطاولة هناك".
























