شبكة نوى، فلسطينيات: يشير إلى الشارع الطويل الذي يقطع بلدته عبسان الكبيرة جنوب شرقي محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، قبل أن يطلق تنهيدة حسرة ويقول: "على جانبي هذا الطريق كانت تمتدُّ نبتة الصبار (التين الشوكي) المتراصة جنبًا إلى جنب، لقد كان أبي يزرعها بكثرة- رحمه الله".
والد الحاج توفيق أبو ظريفة (80 عامًا) كان يزرع "الصبر" (والحديث لابنه) لأكثر من هدفٍ: ليحدد بها الأرض أولًا كما كان يفعل معظم أصحاب الأراضي حينذاك، ثم للاستفادة من ثمرها المحبب الحلو، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه هذه النبتة في حماية الأرض من أي معتدٍ بسبب طبيعتها الشوكية المؤذية.
يضيف: "وكنا أيضًا نستفيد من أضلعها بعد انتهاء الموسم كوقود لأفران الطين المنتشرة في الحي، واللين منها طعام لأغنامنا.
للأسف، لم تعد لهذه الشجرة وجودٌ في طرقات البلدة كما كان حالها قبل عدة سنوات، جرافات الاحتلال –كما يخبر الحاج توفيق "نوى"- جرّفتها عن بكرة أبيها، وما تركته منها جرّفته سيارات البلديات بحجة توسيع الشوارع.
يعدُّ الحاج توفيق نبتة "الصبر" جزءً من جذور الأرض الفلسطينية، ويوصي دومًا بضرورة الحفاظ عليها، والاستمرار في زراعتها للاستفادة من ثمارها لا سيما خلال شهري تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس من كل عام.
يعلق: "قمتُ بإحضار ضلعٍ خالٍ من الشوك قبل فترة من مصر الشقيقة، ثم زرعته في أرضي، خلال عامين فقط، أضحى الضلع شجرةً كبيرة، أخذت منها أضلعًا أخرى ووزعتُها في وسط أرضي، لأعود مجددًا وأجني الربح من بيع الصبر في موسمه".
الثمانيني الذي لم يعد قادرًا على متابعة عملية قطف الصبر بنفسه، لجأ إلى أحد أقاربه ليكون مسؤولا عن عملية القطف والبيع.
ينطلق جمال أبو ظريفة بعد صلاة الفجر باتجاه مزرعة التين الشوكي، متسلحًا بـ (طوّالة) وبعض الحشائش مثل (الذرناح) التي يمكن أن تساعده في (مرح) حبات الصبر (أي تنظيفها) قبل رصها في صناديقٍ تم تحضيرها من أجل إنزالها للسوق.
و(الطوّالة) هي عبارة عن قطعة حديد اسطوانية الشكل، مفرّغة من الاتجاهين يتم تثبيتها بعصا تزيد طولها على ثلاثة أمتار، لتتمكن من الوصول لكل حبات التين الشوكي بسهولة.
يمد أبو ظريفة الطوّالة باتجاه حبات التين الشوكي الناضجة، الجاهزة للقطف. بمرونةٍ تمسك الطوّالة بالحبة قبل أن يتم ليها وإنزالها إلى الأرض، لتبدأ بعدها مهمة (مرْح) الصبر من الشوك الصغير الذي يغلف حباته. يقوم الرجلُ بتقليب الصبر عدة مرات ليتأكد من خلوها من أي شوك قبل أن يضعها في الصندوق.
تتميز فاكهة التين الشوكي أو كما يسميها مواطنو غزة (الصبر) بأنها فاكهةٌ نظيفة، خالية من أي مواد كيماوية أو أدوية زراعية، وهو ما يؤكده الحاج توفيق.
يعلق: "هذه الفاكهة تُزرع على المطر، ولو تأخر الخير قليلًا، نرويها بواسطة خرطوم الماء، لكننا لا نضيف لها أي مواد كيماوية، كما باقي أنواع الفواكه، هي طبيعية مئة في المئة".
يؤمن الحاج توفيق بأن هذه الفاكهة تحمل بداخلها الخير كله، هي مصدر رزق غير مُكلف، ولا تحتاج سوى لاهتمامٍ بسيطٍ خلال العام، لتعطي بعد ذلك الكثير من الثمر. يتابع: "بعض أضلع الصبر تحمل ما يزيد عن ثلاثين حبة دفعة واحدة، ولكم أن تتخيلوا كم من الثمر يمكننا أن نقطف من هذا الصريف الذي لا يحتل مساحةً كبيرةً من الأرض، ولا يحتاج إلى الكثير من الجهد".
رغم ذلك، يبدو الحاج توفيق مستاءً من حالة الهجوم على هذه الشجرة، ومحاولة اقتلاعها من كل مكان، بحججٍ يراها هو واهية.
يزيد: "النبتة قوية بما يكفي لتقاوم كل الأجواء وتحتمل العطش، هي تشبه غزة تمامًا، وتشبه كل فلسطيني يعيش فوق أرض فلسطين"، مردفًا بنبرة أسى: "الصبر لم يعد له وجود إلا ما ندر، تلك الفاكهة التي يزداد عليها الطلب في بدايات آب، قلما توجد في الأراضي الآن بسبب حالة الهجوم الشرسة من قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي يحارب البشر والشجر، حتى لم يبقِ ولم يَذَر".
























