تجلسُ الحاجة هادية قديح (64 عامًا) على حصيرتها في بهو منزلها الواقع في قرية عبسان الكبيرة شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تضع أمامها زجاجة من زيت الزيتون، وقطعة قماش من نوع "ثوابيه" سوداء اللون، وتستعد لصناعة دفعة جديدة من الكحل العربي من أجل توزيعه على جاراتها وزوجات أبنائها.
"الطريقة بسيطة، لكنها تحتاج إلى وقتٍ وصبر" تقول قديح، التي بدأت بغمس قطعة القماش داخل قارورة الزيت، ثم أشعلتها على شكل فتيلٍ داخل صحنٍ من الفخار "كي يحتمل الحرارة"، لتغطيتها بعد ذلك بصينية كي يتراكم الدخان الناتج عن حرق القطعة على سطحها الداخلي.
بعد انطفاء النار، وانخماد الدخان، بدأت الحاجة الستينية بكشط الرماد، وجمعه داخل المكحلة، ليصبح بذلك كحلًا عربيًا كذلك الذي كانت تصنعه جدّتها وتستخدمه أيضًا في علاج الكثير من أمراض العين.
عن فوائد الكحل العربي، تضيف: "الكحل العربي، لا يستخدم فقط لتجميل العينين وإبرازهما، بل يستخدم أيضًا لعلاج بعض الأمراض كاحمرار العينين، والحكة، والرمد الربيعي، وحساسية العيون"، موضحةً أنها تعلمت صناعة الكحل العربي في سبعينيات القرن الماضي، من أمها التي تعلمته بدورها من جدتها "كونه يتمتع بميزات خاصة، مختلفة تمامًا عن الكحل الذي يباع في الأسواق".
زيت الزيتون الطبيعي إذا ما احترق –تبعًا لقديح- لا يضر بالعين أبدًا، على عكس الكحل المصنّع الذي يحتوي في تركيبته على مواد كيماوية، قد تسبب حساسية للعين واحمرارًا، كما أن لونه داخل العين لا يدوم طويلًا، على عكس فاعلية الكحل العربي في التجميل والتطبيب معًا.
تؤكد الحاجة قديح، أن استخدام الكحل العربي لم يقتصر في القدم على الكبيرات فقط، بل كانت الجدات "وهذه عادة موجودة حتى اللحظة" تعمدن إلى تكحيل المواليد الصعار على عمر أسبوع، لقناعةٍ لديهن بأن "هذا الكحل يعمل على توسيع عيونهم أكثر".
وتزيد: "حتى الرجال كانوا يكتحلون بالكحل العربي قديمًا، أحيانًا للزينة، وأحيانًا أخرى للعلاج".
ورغم فوائد الكحل العربي الكثيرة، إلا أن إقبال السيدات على شراءه في وقتنا الحاضر قليل للغاية، بالمقارنة مع إقبالهن على الكحل الجاهز.
من الأسباب أن المكحلة النحاسية الواحدة يبلغ سعرها (15 شيكلًا) على عكس الكحل الصناعي الذي يمكن أن يباع على البسطات بشيكل أو اثنان.
وتأمل الحاجة قديح بأن يتغير مفهوم النساء عن التجميل بالعودة إلى الطبيعة، التي يمكن أن تضيف إلى عنصر التجميل، العلاج والصحة.
تردف بالقول: "في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع، أتمنى أن يكون لمنتجي هذا وجود داخل الأسواق الغزية، أدرك تمامًا أن سعر المكحلة عالٍ، ولكن من جرّب الكحل الطبيعي، يستطيع أن يعرف الفرق بينه وبين الكحل المصنع، سواء في اللون والدكانة، أو حتى في النتيجة على مستوى صحة العين".
تكفي المكحلة الواحدة للاستخدام 100 مرة، هذا ما تؤكده الحاجة هادية التي تحتفظ لنفسها بمكحلة خاصة ورثتها عن جدتها، لم تغيرها منذ عشرات السنين، تضع فيها كحلها الذي تستخدمه بشكلٍ شخصي، وتقول: "أنا متمسكة بهذه الصناعة لأنها جزء من التراث الفلسطيني، بل صناعة الكحل رمز مهم من رموز الهوية العربية".

























