شبكة نوى، فلسطينيات: " حبيبي يما، كيف وقع عليك الرمل، كيف تحملت عينيك دخوله فيها، ونفسك كيف انقطع، تألمت؟ سامحني يا قلبي أني مكنتش جنبك، أمنع عنك الرمل والموت".
تطيل أم أسامة الأشهب النظر إلى صورة طفلها يامن ذو الأربع سنوات الذي طمرته وصديقه مراد الهواري الرمال قبل ما يقارب اسبوعين بالقرب من منزلهما في مدينة الزهراء جنوب مدينة غزة.
تفتقر منطقة سكن العائلتين لأي متنزهات مجانية، فيلجأ الأطفال في ساعات ما بعد الظهر وحتى قبيل المغرب للعب في منطقة رملية تتوسط الأبراج السكنية بالقرب من مسجد فاطمة الزهراء بالمدينة.
في الثامن من أكتوبر خرج الصديقان يامن ومراد للعب كما اعتادوا في قطعة الأرض، ومع مرور الوقت واقتراب أذان المغرب أرسلت الأم ابنها الأكبر لإحضار شقيقه، لكنه لم يجده أو يجد صديقه مراد.
بدأت العائلة تبحث في كل مكان يمكن أن يكون الطفلان فيه، جابت الأم محيط الأبراج من أراضٍ رملية وهي تنادي باسم طفلها الأصغر من بين الذكور " يامن .. يامن" لكن لا إجابة تأتيها من أي مكان، تقول " حدثني قلبي بأن ابني أصبح تحت الرمال، لم يتأخر يوماً إلى هذا الوقت.

في جانب آخر كان أكرم الأشهب والد يامن والذي يعمل في جهاز الدفاع المدني وجاره محمد الهواري يجوبا الحفر التي كان يلعب الطفلان بجوارها، حين رؤيتهما لآخر مرة عصر ذلك اليوم، يحفر مع عدد من المواطنين في الأرض بحثاً عن طفله وصديقه، حين ناداه أحد أبنائه " رأيت شعر أحد في الحفرة.
يقول والدموع تتحجر في مقلتيه: "هرعت الى المكان وأخذت أحفر بكلتا يدي وقلبي يكاد يخرج من مكانه، ازلت الرمال عن وجه طفلي، كنت أحاول تكذيب ما تراه عيني، هو طفلي، لا ليس هو، بل هو، أخرجته بيدي وانا أترفق به خوفاً أن يتألم رغم تأكدي أنه فارق الحياة".

الفاجعة التي ألمت بالعائلتين بعد انهيار كتل طينية تعلو حفر أحدثتها سرقة بعض المواطنين للرمال وتركها بشكل يشبه الكهف، في مكان اعتاد الأطفال في الحي اللعب فيه والاختباء في بعض الأوقات داخل هذه الحفر وفق ما ذكرت طفلة لـ "نوى " قابلتها في المكان المشؤوم، أشارت نحو منطقة مسطحة " الحفرة كانت هنا، اليوم اجت جرافة البلدية طمرتها".
بعد ما يقارب أسبوع على الفاجعة وتحرك والد الطفل أكرم الأشهب نحو البلدية ومطالبتها بطمر الحفر التي تسببت بوافة طفله وصديقه قامت البلدية بإرسال جرافاتها وطمرت الحفر التي تتوسط مساكن المواطنين ووضعت لافتة تحذير من سرقة الرمال".
هذا التحرك لم يراه والدا الطفلين كافياً بعد وفاة طفليهما، يقول أكرم الأشهب:" توجد الكثير من الحفر التي يتم انتاجها بشكل يومي من قبل لصوص الرمال الذين أمنوا العقاب، ففي أكثر من مرة تم الإمساك بهم من قبل مفتشي البلدية ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراءات بحقهم، وبالتالي كانت النتيجة استهتار بحياة أطفالنا".
منذ وفاة طفله يمضي أكرم الأشهب وقته في طمر الحفر التي يتركها لصوص الرمال يومياً، في محاولة لمنع أي فاجعة جديدة يمكن أن تلحق بسكان المنطقة.
.
توجهت نوى لرئيس بلدية مدينة الزهراء جلال طومان والذي نفى أن تكون البلدية مسؤولة عن متابعة موضوع سرقة الرمال، لافتاً أن المسؤولية تقع بشكل أساسي على وزارة الاقتصاد بصفتها مسؤولة عن الموارد الطبيعية.
وقال طومان: " توجهنا كبلدية بعدة خطابات تتعلق بموضوع سرقة الرمال، وموضوع البناية التي تتبع وزارة الإسكان ووضعنا تلك الجهات أمام مسؤولياتها، لكن لم يحدث أي تحرك فعلي لحل جذري للمشكلة.
لكن طومان أشار إلى أن البلدية قامت بدورها وفق قدرتها وذلك بطمر وتسوية كافة الحفر في قطعة الأرض المذكورة في أعقاب وفاة الطفلين، مشيراً إلى أن البلدية تعمل من فترة لأخرى على طمر الحفر التي يتركها لصوص الرمال، لكن طواقمها لا تمتلك القدرة على متابعة الأمر في كل الأوقات خاصة أن لصوص الرمال يتحركون في ساعات الليل أو مع اقتراب الفجر وهي أوقات خارج دوام موظفي البلدية.

الناطق باسم وزارة الاقتصاد الوطني م. عبد الفتاح سلامة، أكد على مسؤولية وزارته عن متابعة والرقابة على مقالع الرمال الحكومية والخاصة المرخصة باعتبارها أحد الموارد الطبيعية، لكنه في الوقت ذاته نفى أن تكون قد وصلتهم أي مطالبات من قبل بلدية الزهراء بخصوص ردم أي حفر يمكن أن تشكل خطر على حياة المواطنين.
وأوضح:" ليست من مسؤوليتنا المباشرة متابعة الحفر التي يتم تركها بعد سرقة الرمال، ولكن البلديات التي تقع ضمن حدودها تلك الحفر من المفترض عليها أن تتوجه لنا بكتاب بهذا الخصوص، ومن طرفنا لن نتوانى عن عمل اللازم لردمها".
وتساءل:" كيف نتحمل كوزارة المسؤولية عن ردم حفر أحدثها مواطنون من أجل بناء برج أو بناية؟".
وفيما يتعلق بالرقابة على الرمال أوضح سلامة أن وزارته تقوم بعمل محاضر ضبط لأي سارق يتم ضبطه، ويتم تحويله للنيابة".
وعليه يبقى خطر الموت يتربص بأطفال مدينة الزهراء بسبب استمرار سرقة الرمال بلا أي رادع فعلي، حتى بعد انهيار الرمال على الطفلين الأشهب والهواري، ما لم تحرك الجهات المعنية مجتمعة ساكناً وتتحمل كل جهة مسؤولياتها تجاه أمن وسلامة المواطنين.
























