نجا في عام 2002 من الموت بأعجوبة أثناء محاولته إخلاء بعض الجرحى، شمال غزة، إذ عاودت الطائرات الإسرائيلية قصف المكان، فأصيب بشظايا صاروخية في جميع أنحاء جسمه، ووصفت حالته بالخطيرة، في حين استشهد أربعة ممن كانوا في ذات المكان.
مكث المسعف محمد الهسي والذي كان يعمل ضابط إسعاف ضمن طواقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في حينه ما يزيد عن خمسة وأربعين يوماً في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، قبل أن يتماثل جزئياً للشفاء، ويبدأ مرحلة أخرى من العلاج داخل وخارج الوطن استمرت ما يقارب العام، قبل أن يقرر العودة لممارسة عمله الذي أصبح جزء من كيانه".

في عام 2008 تم تعيينه مديراً لمركز إسعاف خانيونس التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ، وقبل أيام تم تقليده ً وسام "فلورانس نايتنجيل" وهو أعلى وسام شرف يمنح للعاملين في مجال التمريض من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عرفانا بعطائه وشجاعته وتقديرا لالتزامه وجهوده على مدار سنوات عمله في جمعية الهلال الأحمر، وتفانيه في مساعدة الجرحى والمرضى، وهو ما جعل منه مثالاً يحتذى به، رغم إصابته أكثر من مرة أثناء تأديته لواجبه".

عن هذا الوسام يقول الهسي لـ " نوى": " تم ترشيحي للجائزة من قبل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني باعتبارها الجمعية الوطنية المعترف بها من قبل جمعيات الهلال والصليب الأحمر الدولي، وهو أحد شروط طلب الترشيح، كما يشترط أن يحمل المرشح مواصفات خاصة في التحلي بشجاعة وتفاني استثنائي أثناء إخلاء الجرحى".
لم يتوانى محمد عن المشاركة الفعلية في إخلاء وإنقاذ الجرحى رغم أن إصابته وتوابعها بقي يعاني منها سنوات، جعلته يعمل ضابط حركة، قبل أن يعاود العمل في الميدان الذي يعتبره حياة " لم أفكر للحظة بعد أن تماثلت للشفاء في الإصابة الأولى والتي كانت الأخطر التي تعرضت لها أن أغادر هذا العمل الذي اخترته بمحض إرادتي ورغبتي ومحبتي، رغم أن والدي كانا يحاولان أن يدفعاني للبحث عن مهنة أخرى، كلما زادت صعوبات العمل خاصة في أوقات العدوان الإسرائيلي على القطاع ".
لسنوات بقي محمد يضع على عضده الأيمن جهاز تثبيت خارجي في محاولة علاجية للإصابة الثانية التي تأثرت بإصابته الأولى وشكلت صعوبة في إعادة بناء العظم في تلك المنطقة، لكنه لم يتوقف عن المشاركة الفاعلة في إنقاذ الجرحى ومتابعة العمل ميدانياً رغم كونه مديراً للإسعاف".
يؤمن محمد بأن من أحيا نفساً كإنما أحيا الناس جميعاً "يبث هذا الإيمان راحة وفرحة لا يمكن وصفها عندما أنجح في إنقاذ جريحـ أو أن أصل لمصاب في الوقت المناسب واتمكن من إخلائه" يقول محمد.

يروي " كثيراً ما يصادفني أشخاص لا أعرفهم، يسردون مواقف في الميدان تتعلق بإخلائهم وهم مصابين، يكفي أنك تشاهد نتيجة عملك على الأرض" يستدرك محمد " ما ينطبق علي ينطبق على جيش ضباط الإسعاف والمتطوعين في هذا المجال، ولذا اعتقد أن منحي هذا الوسام هو وسام لكل العاملين في مجال تقديم خدمة إخلاء وإسعاف الجرحى والمصابين".
يؤمن محمد الهسي أن الخطورة التي يتعرض لها ضباط الإسعاف لا تتعلق فقد بالأحداث في الميدان ، على الحدود، أو في المشاكل الداخلية، لكن مجرد كونك تعمل مسعفاً، فأنت عرضة لكل أشكال المخاطر، رغم اتباعك كل إجراءات السلامة المهنية، لكنه يؤمن أيضاً أن هذه رسالة سامية من آمن بها لن يفكر إطلاقاً بأثارها أو مخاطرها.
يعترف الهسي أن عمله في هذا المجال دفعت الضريبة كاملة أسرته التي بالكاد تراه في أوقات الأزمات، والأحداث، ناهيك عن حالة القلق والخوف طوال غيابه عن البيت، لكن ما يخفف من تأثير كل هذا الخوف والقلق " أن يقابلك إنسان لا تعرفه ليخبرك أنك استطعت أن تعيد له الحياة عندما قمت بإخلائه وسط إطلاق النيران، وتوقف نزف جرحه الذي كاد أن يلقى حتفه بسببه".
من أكثر المواقف التي لا زال جرحها غائراً في عقل وقلب الهسي لحظة استشهاد المسعف المتطوع محمد العبادلة أثناء عدوان 2014، إذ تم استهدافه وقتله برغم وجود تنسيق لإخلاء عائلة من أحد المنازل شرق القرارة شمال مدينة خانيونس، يقول:" لحظات عصيبة مررت بها، وصلت حد الانهيار بعد أن ألقى كل سائقي وضباط الإسعاف مفاتيحهم، معلنين أنهم لن يخرجوا من المكان ولن يعرضوا أنفسهم للموت بدهم بارد كما حدث لزميلهم ، في هذه اللحظة لم أعرف كيف أتصرف، بالفعل كانت الأصعب التي مرت علي، للتو فقدنا زميل لنا ذهب بتنسيق من الصليب الأحمر لإخلاء عائلة، لكن إسرائيل التي لا تلتزم بأي اتفاقيات ولا معاهدات استهدفته وقتلته بدم بارد" .
يسترسل" قطع حالة الصمت والحزن والغضب إشارة باستهداف بناية سكنية كاملة شرق خانيونس، فوجئت بجميع من ألقوا بمفاتيحهم هرعوا وتناولوها على الفور وانطلقوا للميدان، لإداء رسالتهم، وإن كانوا في لحظة الصدمة باغتيال زميلهم تصرفوا بردة فعل ، حينما وضعوا بعدها بقليل على المحك لم يفكروا للحظة وتوجهوا لأداء مهمتهم الإنسانية بإخلاء الشهداء والجرحى".




























