نوى - مرح الواديّة
في وقت يحسب على قطاع غزّة أنّه بوضع تهدئة مع اسرائيل، إلا أن الأمر يبقى شكليًا بالنسبة إلى سكّان المناطق الحدوديّة، والمزارعين أيضًا. أمرٌ مرعب عندما يظلّ المرء مستعدًا للنزوح في أيّ وقت إلى مناطق أكثر أمنًا وأمانًا بداخل المدينة الواحدة، بسبب ممارسات قوّات الاحتلال الوحشيّة.
تقول هيام لبد من سكان شمال قطاع غزّة أن الوضع المتذبذب على الحدود مع الاحتلال، لا ينفك عن تأزيم نفسيتها وطفليها، فما شهدته خلال الحروب التي دفعت بالقطاع إلى "قاع الديست" ما يزال يظهر على تصرفاتها إزاء أطفالها من عصبية وتعنيف لهم مجرّد ما أن يفعلوا شيئًا يضايقها.
وبرغم اللجوء إلى مراكز العلاج النفسي، توضح أنّها تجد نفسها تتحسّن فترة، وتعود أسوأ من قبل بحال سمعت أصوات المدفعيّة تتحرّك على الحدود، ولولا أن الأوضاع الماديّة لا تسمح، لكانت اشترت منزلًا في وسط المدينة كي تتخلّص من "الرعب" الذي تعيشه بشكل شبه يومي.
عدا عن التأثيرات النفسيّة، ما أن تشهد المناطق الحدوديّة أوضاعًا متوترة كإطلاق صاروخ ما تجاه الأراضي المحتلّة، تنطلق قذائف المدفعيّات لتدكّ الأرض من تحت السكّان كردّة فعلٍ أوّلية من جهة، أو بذريعة ضرب شبكة أنفاق للمقاومة الفلسطينيّة، ما يلحق أضرارًا ماديّة بمنازل المواطنين من دون تعويضهم بشكل دائم نتيجة أن هذه الأحداث صارت تتكرّر شهريًا.
من ناحية ثانية، تسعى إسرائيل جاهدة إلى ضرب الاقتصاد الفلسطيني بصورة مباشرة وغير مباشرة، كضرب البنى التحتية للأراضي الزراعيّة، وإعادة استهدافها مرّات أخرى. وعن المساحات الزراعية التي تقع على الحدود فهي تمثل ما نسبته 25% ، كما أنّها توّفر فرص عمل لأكثر من 30 ألف مزارع يعيلون ما يزيد عن 200 ألف شخص، إذ يقع هؤلاء المزارعين عرضة للاستهداف والاعتقال في أحيان كثيرة، غير الاستهداف المقصود لهذه المناطق ما يضعف قدرتها الإنتاجيّة بشكل لافت.
في السّياق يقول المزارع "مروان" أبو خضر من منطقة "التوام" أنه لا يحتمل تكبل خسائر جديدة بسبب الضربات التي تتعرض لها أرضه الزراعية في كل حادث إطلاق نار على الحدود حتى وإن كان يتلقى بعض التعويضات إلا أنها لا توفيه حقه كاملًا. يتابع: "منذ حرب 2008 ووضعي المادي والنفسي صار تعيسًا، في كل مرة يتم استهداف الأرض بحجة اطلاق صاروخ من المنطقة المحيطة أنا أول من يدفع ثمن هذا، أحيانًا أضطر إلى أن أريح التربة فترة ليست بالقصيرة بسبب المواد المتفجرة التي التصقت فيها، ما يرهق نفسيتي وجيبي بسبب أن لا عمل آخر لي غير الزراعة".
تكمل زوجته أنها تصرّ على مرافقته خلال ذهابه إلى الأرض عندما تكون الأوضاع متوترة، كما تعمل على مساعدته في الزراعة برغم أنّها ترتعب من صوت القصف، لكنها عانت مرارة الفقد في حرب 2012 عندما استشهد أخيها أثناء عمله في الزراعة أيضًا "أفضل الموت مع زوجي على أن أظل أتحسر عليه بحال أصابته إحدى شظايا القذائف في هذه المنطقة كما أصابت أخي الذي ظل ينزف ساعات إلى أن فارق الحياة بسبب عدم تمكن الطواقم الطبية من انتشاله لخطورة الوضع والمنطقة حينها".
وكان الاحتلال الإسرائيلي قد منع كافة المزارعين على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع من الاقتراب من أراضيهم الزراعية خلال سنوات الحصار على مسافة تراوحت من 500-1000 متر حسب المعايير الأمنية التي يحددها جيش الاحتلال، إلا أن هذا القرار تم إلغاؤه بعد حرب 2014 التي كان أحد شروط وقفها السماح للمزارعين بزراعة أراضيهم الحدودية.
أمّا عن الطفلة هند الجزار 11عامًا، ما أن تسمع صوت الزنانة دوّى في السّماء، إلا وتركض نحو منزلها الواقع إلى الشرق من مدينة غزّة خوفًا من فكرة أن "الحرب رجعت" - حسب قولها -. وتكمل والدتها أن أهالي معظم الأطفال في المناطق الحدوديّة صاروا يخشون الأذى النفسي الذي تسبب فيه الاحتلال لهم في فترات السلم والحرب، "فور ما تبدأ المناوشات أو سماع إطلاق النار، تجدونا جمعنا أغراضنا الشخصية واستعدينا للخروج من المنزل للنجاة بأنفسنا من قذيفة قد تسقط على أحد منازلنا" قالت والدة هند.























