شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 25 مايو 2026م00:16 بتوقيت القدس

الخروج من سجن غزة مكلّف!

20 ابريل 2016 - 15:56
ميرفت ابو جامع*
شبكة نوى، فلسطينيات:

 

منذ أن بدأت الالتحاق بتدريب "النساء في غرف الأخبار"، مع مؤسسة "وان إيفرا"، بداية شهر إبريل الحالي، وعندما علمت زميلاتي وزملائي في غزة عن سفري إلى الإسكندرية، كانت الأسئلة  تنهال عليّ، كيف خرجتي من غزة؟، نعم كيف خرجتي من سجن غزة! أنا نفسي لم اصدق أني موجودة هنا، ربما إلى حد الصدمة، صدمة الحرية!.

في الوقت الذي كانت أسوار سجن غزة" الوصف الأدق" تشتّد بإحكام، ويضيق الحال بساكنيه، فمن جهة إغلاق معبر رفح الحدودي الذي تسيّطر عليه السلطات المصرية، وتسمح بأيام قليلة خلال العام، وبساعات فقط لنقل جثمان أحدهم اختار الغربة، هربًا من غربة أكبر في الوطن، فعاد في كفن، ومن جهة تقيّد السلطات الأردنية إجراءات عدم الممانعة لسكان قطاع غزة، بل ومواليد غزة الذين يسكنون الضفة الغربية منذ سنوات طويلة.

عندما أفكر في كم التعقيدات التي سردتها، وزميلاتي ممن لم تتح لهن الفرصة للمشاركة في التدريب على "ميرا عبد الله" مدير برنامج "نساء في غرف الأخبار" في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نصل إلى قناعة أن الخروج من هذا السجن سيكون ربما بمعجزة كبيرة.

كان أحب إليّ أن أصف الرحلة بجواد في سباق، عليه أن  يقفز عن عدة حواجز، غير آمنة، حتى يصل في كل مرة بسلام، وهي كذلك، لم أكن ماهرة، بقدرِ ما كان لي حظ جيد، أو غير ذلك.....

حتى تخرج من غزة إلى القاهرة التي تبعد عنك بالمسافة الزمنية، خمس ساعات فقط، وفي حال اغلاق معبر رفح، لابد أن تحصل على تصريح من 4 جهات، الجهة الأولى الداخلية في حكومة غزة، عليك أن تأخذ الِإذن" تصريح الخروج، بعد أن تمر على جهاز الأمن وتشرح لهم أسباب سفرك، ويبدأ تقديم النصح لك من باب التذكير بوطنيتك أو بحجة الخوف عليك!.

أما الجهة الثانية: تحتاج تصريح إسرائيلي ربما يصدر في أسبوعين أو شهر أو أقل حسب مزاجية القائمين على منحه، وربما لن تحصل عليه أبدًا، دون سبب!.

الجهة الثالثة: عليك ب"ورقة عدم ممانعة" من السلطات الأردنية، وهذه تحصل عليها بصعوبة، بعد تقيّيد إجراءاتها. ثم يسألك ضابط فلسطيني في نقطة ارتباط، من أين حصلتِ عليها؟، فكيف يصدق أن غزاوية تخرج من السجن المحكّم الإغلاق بمشاركة الجميع، وكأن على غزة أن تبقى في سجنها، حتى تموت وينساها القريب والبعيد. ولا يذكرونها إلا بالدماء والموت.

لست وحدك هنا، فـ"لعنة" غزة، تلاحق أهلها من الميلاد حتى الوفاة، وباتت للمعيار أو للتفرقة والتمييز على أساس الجغرافيا، وكأن ينقصها!

في انتظار الخروج من الجسر إلى الأردن، تنتظر إيمان عبد الرحمن التي تقيم في الضفة الغربية وأسرتها، منذ سنوات طويلة لأن مكان الميلاد مسجل في جواز سفرها غزة، هذه الحروف الثلاثة، كانت توضع تحت المجهر، ثم يُرفض إدخالها إلى الأردن للسفر إلى أسبانيا، لعدم حصولها على ورقة عدم ممانعة وهو الإجراء الجديد المتّبع مع سكان ومواليد غزة، كذلك زوج الزميلة نبال ثوابته وطفليها لم يستطيعا مرافقتها السفر؛ لأنه لم يحصل على عدم الممانعة لأنه من مواليد غزة، رغم انه أقام عمرا طويلا في الضفة الغربية، لم تشفع له.

كنت أشعر أنني هاربة من السجن، أو "إرهابية"، سأقف عند كل حاجز وأفتش؛ لأثبت براءتي، عند الإسرائيليين على الجسر، قالت لي الإسرائيلية التي تفحص جواز السفر: انتظري هناك، لابُد أنها قرأت في جواز سفري غزة، فارتعبت!، بعدها أخبرتني صديقتي أنها سألتها عني: هل تعرفينها، هل هي من غزة؟ بعد دقائق نادت مجندة على اسمي، وسلمتني جواز سفري وهي تحدّق فيّ، حتى بعد الوصول إلى الأردن ضلّ هاجس أن استطيع الوصول إلى مصر، ومن ثم إلى الإسكندرية شأن كافة الحواجز قائمًا، إلا أن وصلت واستطعت أن التقط أنفاسي بعد هذه الرحلة الطويلة.

مكثت أيام في التدريب في "عروس البحر" الإسكندرية، كانت تأتيني الرسائل من الأهل والأصدقاء في غزة، عبر حسابي على الفيسبوك، هل هذه الصور التي تنشرينها على صفحة الفيسبوك من أرشيفك القديم، إذًا كيف خرجتي من هنا؟!، كان عليّا أن اشرح لكل صديقٍ وصديقة رواية الخروج، إلا أن أحدًا لم يصدّق، حتى قالت لي قريبة لي: أنت في البيت وتكذبين علينا، كنت أضحك حد البكاء!

 يا الله كم موجع السؤال والإجابة!!، ممن هم داخل السجن أو المسجونون بالغربة هنا، الذين يتشوقون للدخول إلى غزة، صديقاتي المغتربات يسألنّني أيضا كيف ندخل إلى غزة؟ اشتقنا لأهلنا وكل شيء، متى سنمشي في شوارعها؟!، المسجونون في داخلها يسألون: ما شكل الشوارع خارجها، ما شكل الحياة، ما حال الكهرباء!

عندما وصلت إلى القاهرة عند قريبتي تفاجأت بحجم حقائب السفر في شقتّها وعندما سألتها بفضول، أجابت: هذه لشقيقتي التي قدمت من الجزائر في زيارة لغزة حملت الهدايا لأفراد أسرتي، ولكنها لم تستطع الدخول إلى غزة، فتركتها هنا، وسافرت، علّ وعسى!.

ليت العالم يفهم، أو يرى بعين الإنسانية، التي يغلقها حين يأتي ذكر غزة، كيف يولد حلم في صدر إنسان ويموت، على حاجز، ليته يدرك أن لغزة حق في الحياة والسفر والحركة بحرية، وأنها كأي مدينة في العالم تحتاج النور ويؤمن أهلها بالسلام والمحبة. وهم ودودون إلى درجةٍ كبيرة، ليتهم يدركون أن الأسوأ من سلب حرية الإنسان ليس حبسه في السجن، ولكن في سلبه قدرته على الاختيار أو القرار، أو حتى الفرار"، وهذا ما يحدث معنا، أهل غزة.

لا تزال الأسئلة مسكونة في رؤوس أصحابها، القلقة على الدوام من مصير مجهول، وحياة بلا أفق، لا يعيرها ولاة الأمر اهتمامًا، متى ستلتحق سناء بزوجها، ومحمد بجامعته في المغرب، وترى سمية والدها المريض، وقارب على بعدهما ربع قرن، ومتى ؟ ومتى...!؟.

*محررة في شبكة نوى

كاريكاتـــــير