شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 30 مايو 2026م21:32 بتوقيت القدس

النكبة والهجرة والعودة

ذاكرة الصغار حين تحفظ المعاني الكبيرة

15 نوفمبر 2015 - 17:16
حنان أبو دغيم
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى-حنان أبو دغيم:

عند الحديث عن يوم الاستقلال تستحضر ذاكرة الفلسطينيين آلاف الصور  عن الهجرة والتشرد واللجوء وحتى آلاف الصور النابضة من الثورة الفلسطينية التي استبسل رجالها ونساؤها في تحرير الارض وزرع مفاهيم الوطن والانتماء ليسقطوا رهان رئيسة الوزراء السابقة جولدا أن الكبار سيموتون وسينسى الصغار حتى تضيع ملامح القضية في عقول الأجيال الفلسطينية.

جدتي ماتت

"وكان يا مكان كان إلنا حاكورة وبيت كبير كنت أنا وسيدك نزرعها في بربرة" كانت هذه مطلع القصة التي كانت ترويها جدة محمد دهمان "12عاما" له ولأخواته الصغار قبل نحو ست سنوات وعندما توفيت الجدة أكملت الأم القصة لأبنائها الصغار..

يقول محمد:" أنا من قريرة بربرة واليهود أخذوها بس لازم نرجع لها في يوم من الأيام".

ويضيف:"جدتي ماتت وأمي تحكي لنا القصة وعندما تموت أمي سأحكيها أنا وإخوتي لأبنائنا حتى لا ننسى أن لنا أرضا"..

أمسك محمد بيده أخته الصغيرة نيفين وسألها :"انتي عارفة شو اسم بلدنا يا نيفين" فأجابت نيفين ذات العامين"بلبلة" ضحك محمد وقال لنا قصدها "بربرة بس أكيد حييجي يوم تلفظها صح وتحفظها وتحفظها لأولادها"..

مجموعة من الفتية الصغار تجمعوا حولنا ونحن نتحدث إلى محمد في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة سؤال احدهم أثار استغرابنا عندما سألني أنت من وين فأجبته "أنا من برير" فسألني على الفور "عيني زي بربرة" فأخذت أشرح لهم جميعا الفرق وهم ينظرون بعيونهم الصغيرة ويسرحون في أراض لأجدادهم تفصلهم عنها الحدود جغرافيا لكنها تسكن الذاكرة والوجدان...

"إله الحظ"

أكثر من عشرين طفلٍ جلسنا إليهم وتحدثنا معهم في مخيمات القطاع علنا نجد من يشفي غليل جوالدا مائير ويبل ريقها في قبرها ولا يعرف الإجابة عن بلدته فما وجدنا إلا أطفالنا يحفظون أسماء القرى والبلدات وحتى تفاصيل دقيقة عنها.

تقول أسماء أبو شرخ"15عاما" :"أنا من المجدل أسسها أجدادنا الكنعانيين في الألف الثالث قبل الميلاد ومعناها البرج أو القلعة".

تؤكد أسماء أن والدها دائم الحديث لها ولأخوتها عن المدينة الجميلة التي تعتبر من أقدم مدن العالم وقد بنيت على طريق السهل الساحلي ("طريق البحر") الواصلة بين شمالي سيناء ومنطقة الجليل

وكم أبهرتنا الطفلة الصغيرة عندما قالت:" كانت تسمى (مجدل جاد) الذي هو اله الحظ عند الكنعانيين وان شاء الله ربنا يكتب إلنا حظ حلو ونشوفها قبل ما نموت"..

لكن أسماء التي كانت تنظر إلينا بحزن قالت:" كنت  أتمنى أن يكون إحياء ذكرى النكبة اكبر من هيك كنت حابة في الإذاعة المدرسية أحكي عن بلدي بس للأسف ما في تخطيط".

تضيف:"لو كل حدا فينا حكى عن بلدته ومدينته وأرضه راح نوصل المعلومة لغيرنا".

مفتاح وأوراق

بينما كنا نتحدث إلى مجموعة من الصبية أمام مدرسة بنات الشاطئ الإعدادية جاءتنا سيرين أبو شوقي "13عاما" وقالت "تعالوا اشربوا عندنا شاي جدتي في البيت وأنا مخبية شي كتير حلو".

ساقنا الفضول إلى بيت سيرين ذو الغرف الثلاث الضيقة والسطح الكرميدي فوجدنا امرأة عجوز تكاد مساحات وجهها تختفي تحت تجاعيد قرأنا فيها تاريخا بأكمله جلسنا إلى جواره وبدأت الحديث معها بصوت عال لأنها تعاني من ضعف السمع في هي امرأة تسعينية فسألناها عن هربيا بينما تحلق حولنا مجموعة من الصبية كانوا قد رافقونا من أمام المدرسة إلى بيت سيرين فبدأت الحاجة أمينة حديثها بتنهيدة أقرب للنواح والبكاء فقالت:" آآآآخ على هربيا وعمرنا اللي راح نستنى هربيا .. بتذكر كان فيها الدور منية من الطوب وأراضي وبساتين  وكان حول القرية حوض للمياه ومسجد ومدرسة ابتدائية ايش بدي أذكر لما أذكر عن هربيا"..

سكتت برهة وأضافت:" اكبر قد ما أكبر ما بنسى هربيا يمكن انسي اسم هالبنت وأشارت إلى حفيدتها سيرينها لكن ما بنسى هربيا وهي كمان لازم تظل تتذكر هربيا وحياتنا وكأنها مولودة فيها".

وتؤكد سيرين أن جدتها تجلس من وقت لآخر تستعيد الذكريات عن هربيا فتحدثها عنها وعن جده وكيف تزوجا وكيف هجم اليهود عليهم وهربوا إلى غزة.

تقول سيرين :" جدتي كبرت وقربت تنسى كتير من الكلام اللي كانت تحكيه دايما بس أنا مش راح أنسى وراح أحكي لأخواتي الصغار ولأولادي عن بلدنا لأنه لازم نرجعلها".

قبل أن نغادر المنزل ذهبت سيرين سريعا لإحضار "المفاجأة" وإذا بها تمسك بيدها مفتاحا وأراق الطابو الخاصة بأرض جدها وقالت لنا:" جدتي ورثت هالمفتاح والأوراق من سيدي وأنا طلبت منها أخبيهم علشان لما نرجع لأرضنا...".

وصية سيدي

 (نفسي ﺃﺭﻭﺡ ﻋﻠﻰ ﺩﺍﺭنا وأقعد هنالك ﻭﺃﺭﻭﺡ ﻋﻠﻰ كرم عيلتنا وبيارتنا الكبيرة) توفي الحاج أبو ناهز عن عمر يناهز 92 عاما قضى أحلى أيامها في قريته دير سنيد ورثته كانت كبيرة عشرات الدونمات وكروم وبيارات ومنزل كبير جدا لكل العائلة توفي أبو ناهز قبل ثلاثة أعوام لكن حفيدته نور "16عاما" لم تنس الحلم ولم تنس الوصية..

تقول نور:" لم ولن أنسى وصية جدي ولن لم يشأ الله أن أذهب إلى دير سنيد سأظل أروى نفس الوصية ونفي الحلم لأولادي ولأحفادي حتى تظل في عقولهم صورة بلدنا لا تمحوها السنين"..

نور عرفت الكثير من كبار السن في عائلاتها جلهم توفوا لكنها تؤكد أن جل رفيقاتها وصدقاتها في العائلة يعرفن عن دير سنيد كما تعرف وأكثر يجلسن من وقت لآخر تروي كل منهن ما رواه لها جدها عن القرية فتحفظ كل واحدة من الأخريات القليل حتى أصبحت كل واحدة منهن على حد وصفها "موسوعة".

وتظل نور ومحمد وسيرين وأسماء وغيرهم الكثير الكثير من الأطفال موسوعة فلسطين التاريخية التي تكبر في عقول صغارها يعلمونها لأبنائهم ولأحفادهم لتظل صور الأرض والكروم وبيوت العائلة تعيش فيهم كما لو أنهم يعيشون فيها..

كاريكاتـــــير