بإعلانه المسؤولية عن التفجير الارهابي في الضاحية الجنوبية لبيروت يؤكد تنظيم الدولة الظلامية ارتباطه العضوي بالمشروع اليهودي في المنطقة، وجاهزيته للاستمرار في خدمة هذا المشروع، كمقاول من الباطن، يتولى مهمة تخريب الداخل العربي تمهيدا للاجتياح الاسرائيلي ليس للبنان فحسب، ولكن للمنطقة العربية برمتها.
وليسمح لنا الاسلامويون وعرب أمريكا الذين اختلفوا معنا في السابق في توصيف “داعش” ووصف منشئه وتكوينه ومرجعيته الشيطانية، والذين كانوا يعلون الصوت في تبرئة واشنطن ومؤسساتها الاستخبارية من مسؤولية خلق هذا التنظيم ودعمه ورعايته.. ليسمح لنا هؤلاء بدعوتهم إلى قراءة المشهد الدموي الراهن ببعض التعمق في التفاصيل، ليروا التقاطع الذي يكاد يصل حد التطابق بين نتائج الفعل الأمريكي والاسرائيلي والداعشي في المنطقة، وربما يصلون إلى وصلنا إليه من أن الولايات المتحدة تحتاج إلى ذراع أخرى غير اسرائيل لتحقيق مشروعها لشرق أوسط جديد، لا يمكن الا أن يكون توراتيا.
نعود إلى تفجير الضاحية، لنقول إنه كان تفجيرا اسرائيليا بامتياز من حيث التوقيت واختيار الهدف وهوية المنفذين، فقد جاء التفجير الإرهابي متزامنا مع بوادر مصالحة وطنية لبنانية تتجاوز صراع الطوائف في بلد مبتلى بالمحاصصة وتقسيمات الجغرافيا الدينية، ووقع التفجير في منطقة محسوبة على تيار يجاهر بالعداء لاسرائيل رغم تصنيفه الطائفي وانحيازه المعلن لقوة إقليمية لا تكن للعرب الكثير من الحب.
وجاء التفجير الإرهابي متزامنا مع عودة فلسطين إلى صدارة المشهد السياسي في المنطقة بفعل وبفضل انتفاضة السكاكين التي يسنها أهل البلاد بعيدا عن المتنافسين على “الإدارة المدنية” تحت شعارين أحدهما وطني زائف والثاني اسلامي زائف أيضا.
وإذا صح ما أعلنه التنظيم الظلامي في بيانه عن هوية الانتحاريين الذين اقترفوا جريمة الضاحية، وإذا ثبت فعلا أنهم فلسطينيان وسوري، فإن أبواب جهنم تكون قد فتحت بالفعل ليس في لبنان فقط ولكن في كل جهات الإقليم المشتعل.
ما الذي يعنيه أن يقدم فلسطينيان وسوري على قتل قرابة خمسين لبنانيا وجرح أكثر من مئتين في ضاحية “حزب الله”؟
للهويات دلالة خطيرة في هذه المرحلة، والتنظيم الارهابي الذي يضم في صفوفه الكثير من اللبنانين لم يكن عاجزا عن تكليف ثلاثة منهم بتنفيذ الجريمة، لكن العقل الشيطاني رأى تكليف فلسطينيين وسوري، واختار كشف هوياتهم لكي يوسع دائرة الفعل التخريبي، ويزيد اشتعال كرة النار التي يدحرجها من العراق إلى سوريا ولبنان ويريد الآن دفعها إلى فلسطين، وتوريط الفلسطينيين في هذه الحرب الغبية بين “داعش” وأنظمة القمع العربي، وتخفيف الضغط عن اسرائيل التي تواجه الآن انتفاضة شعبية فلسطينية يستحيل وقفها بقرار من السلطة أو الفصائل، لأنها في الأصل لم تنطلق بقرار من أحد.
من أين جاء داعش بفلسطينيين ينفذان هذه الجريمة؟ ولماذا يقبل فلسطينيون أن “يجاهدوا” في بلاد الله بعيدا عن بلادهم المحتلة؟
ليس الأمر جديدا، ولسنا شعبا كاملا من الملائكة الثوريين، وفي مدننا وقرانا آلاف الظلاميين المؤمنين بأن هذا هو زمن “الجهاد” ضد “الكفار” و”الروافض”، لكنه ليس زمن “الجهاد” ضد اليهود لأنهم أصحاب كتاب ولأن الله لم يأمر بمقاتلتهم!
ومن يختلف مع هذا الاعتراف عليه أن يبحث ويدقق في مدى انتشار هؤلاء في الخليل ونابلس وغزة، وعليه أن يراجع سيرة “الجهاديين الفلسطينيين” الذين وضعوا الأسس العقائدية والفقهية لتنظيم “القاعدة” وهبوا إلى “الجهاد” في أفغانستان برعاية أمريكية وتمويل سخي من الرجعيات العربية الحاكمة.
علينا أيضا أن نقرأ تاريخ التفريخات والتفريعات من جماعة الإخوان المسلمين، وكيف نشأت “حماس″ ومن مكنها من الاستحواذ على قاعدة واسعة في الشارع الفلسطيني، وكيف استطاعت تحقيق نفوذ إقليمي وبناء شبكة علاقات خطيرة مع بعض وكلاء المشروع الأمريكي في المنطقة.
وعلينا في ذات السياق أن نرصد تغلغل “حزب التحرير الاسلامي” وانتشاره الكبير في المدن وفي الريف الفلسطيني، وقدرته على التحكم بنتائج الانتخابات في أكثر المناطق تأثيرا وأكبرها عددا. وهو الحزب الذي يرفع أيضا شعار دولة الخلافة.
في فصائلنا أيضا هناك من يفتح خطوطا مع القوى الظلامية، وهناك مجموعات محسوبة على “القاعدة” أو على غيرها، وهي مجموعات تتلقى الدعم من أطراف خارجية، وتظل عاملة وفاعلة في فصائلها بحكم التوازنات التنظيمية الانتهازية في الفصائل.
لسنا محصنين، ولنعترف أن اختراقنا سهل خاصة عندما يكون هذا الإختراق مغلفا بالشعار الديني، ومغريا بالجنة. لكن أرضنا ليست يبابا، وتظل الاختراقات صغيرة مهما كبرت، لأن الفلسطينيين ينتجون مضاداتهم للإختراق من خلال الفعل المقاوم للاحتلال، وهو الذي يحظى بما يقترب من الاجماع بعيدا عن البرامج السياسية وتوجهات السلطة التسووية وهرطقات الفصائل.
جريمة الضاحية مؤلمة وموجعة للروح، ونأمل الا تكون بداية لموسم الهجرة إلى جهنم.























