غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في بيئة تتزاحم فيها الروايات المتضاربة، ويصعب الوصول فيها إلى المصادر الأولية، لا يواجه الصحفيون والصحفيات في غزة تحدي نقل الحقيقة والتحقق منها فحسب، بل يواجهون أيضًا ظروفًا تهدد قدرتهم على مواصلة العمل.
وقد أظهرت دراسة عُرضت خلال مؤتمر "النزاهة الإعلامية والحوار المدني"، أن (55%) من الصحفيين/ات واجهوا تدفقًا كثيفًا للمعلومات المضللة خلال الحرب، فيما تأثر (52%) منهم بحملات تضليل منظمة، وهي نتائج أعادت إلى الواجهة أسئلة النزاهة المهنية، ومسؤولية الإعلام تجاه المجتمع، وشروط إنتاج معلومات موثوقة في أوقات الأزمات.
وناقش المؤتمر، الذي نظمه مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) في مدينة غزة ضمن مشروع "بناء الحقيقة والمرونة"، سبل تعزيز التحقق الإعلامي وبناء الثقة مع المجتمع الفلسطيني، بمشاركة إعلاميين وباحثين تناولوا التحديات التقنية والأخلاقية التي تواجه العمل الصحفي، وطرحوا توصيات شملت توحيد بروتوكولات التحقق، وتطوير الأدوات الرقمية، وتوفير بيئة عمل آمنة للصحفيين والصحفيات، إلى جانب حماية خصوصية المواطنين وكرامتهم، وإتاحة المجال أمام أصواتهم للمشاركة في توثيق الواقع والتعبير عن احتياجاتهم.
مسؤولية تتجاوز الأدوات التقنية
وفي ورقة عمل بعنوان "دور الشبكات الإعلامية في بيئة غزة في تعزيز التحقق الإعلامي وقيمة النزاهة بما يسهم في بناء علاقة أكثر ثقة مع المجتمع الفلسطيني"، عرض الباحث سامي عكيلة نتائج الدراسة التي أظهرت أن (55%) من الصحفيين واجهوا تدفقًا كثيفًا للمعلومات المضللة خلال الحرب على غزة، فيما تأثر (52%) منهم بحملات تضليل منظمة.
وأوضح عكيلة أن هذه التحديات تفاقمت بفعل شحّ المصادر الموثوقة، وتضارب الروايات، وضغوط الوقت، وصعوبة الوصول إلى المعلومات الأولية، في بيئة معلوماتية اتسمت بالتعقيد والتقلب، مع تزايد الاعتماد على الخوارزميات والمنصات الرقمية في إنتاج المحتوى وتداوله.
وفي مواجهة هذه التحديات، أوصى بإنشاء صندوق مشترك للحماية والتجهيز، وتوفير مراكز إعلامية آمنة ومعدات اتصال ومصادر طاقة بديلة، بما يدعم استمرارية العمل الصحفي في الظروف الطارئة.

كما دعا إلى توحيد بروتوكولات التحقق، وتطوير أدوات رقمية ملائمة للسياق الفلسطيني، وإخضاع مخرجات الذكاء الاصطناعي للمراجعة البشرية قبل اعتمادها أو نشرها.
وشددت التوصيات على أهمية ترسيخ النزاهة الإعلامية عبر مواثيق للشفافية والتصحيح، وتعزيز التعاون بين منصات التحقق المحلية والدولية، وتدريب الصحفيين والصحفيات والجمهور على التحقق من المعلومات وتنمية مهارات التفكير النقدي.
وبحسب ما طرحته الورقة، فإن مواجهة التضليل في غزة لا تتوقف عند امتلاك أدوات تقنية أكثر تطورًا، بل تتطلب منظومة متكاملة تجمع بين النزاهة التحريرية والتنسيق المؤسسي والتعاون العابر للحدود، وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستمرار العمل، وإشراك الجمهور في التحقق من المعلومات. ففاعلية أدوات التحقق تظل مرتبطة بقدرة الصحفيين على استخدامها، وبوجود بيئة مهنية تتيح مراجعة المعلومات وتصحيح الأخطاء ومساءلة الجهات الناشرة.
حماية للخصوصية والسلم الأهلي
وفي الجلسة الثانية، تناول الصحفي سامي أبو سالم، في ورقة عمل بعنوان "المحددات الأخلاقية في العمل الإعلامي في قطاع غزة وأثرها على المجتمع"، التحديات الأخلاقية التي برزت خلال الحرب، في ظل النزوح والتجويع وتراجع سيادة القانون، وما رافق ذلك من استغلال وانتهاكات للخصوصية وتضليل إعلامي قد يهدد السلم الأهلي.
وأوضح أبو سالم أن الإعلام المجتمعي يؤدي دورًا في تعزيز التكافل والتسامح والترابط الأسري، ومواجهة الشائعات والإسهام في تسوية النزاعات، من خلال إنتاج محتوى توعوي وقصص صحفية هادفة، وبناء شراكات بين المؤسسات الإعلامية.
تشمل محددات الإعلام الأخلاقي: مكافحة الأخبار المضللة، واحترام خصوصية المواطنين، وإتاحة المجال أمامهم لتوثيق معاناتهم والانتهاكات التي يتعرضون لها.
وتشمل محددات الإعلام الأخلاقي، وفق الورقة، مكافحة الأخبار المضللة، واحترام خصوصية المواطنين، وإتاحة المجال أمامهم لتوثيق معاناتهم والانتهاكات التي يتعرضون لها، وتعزيز اللجوء إلى الوساطة في حل النزاعات، وترسيخ احترام القانون والحقوق.
كما تشمل إبراز المبادرات الإنسانية والقصص الإيجابية التي تعزز التكافل والتعاضد، من دون إخفاء الانتهاكات أو تزييف الواقع، بما يسهم في حماية السلم الأهلي وتعزيز التماسك المجتمعي.
ويضع هذا الطرح الإعلام أمام مسؤولية تتجاوز نقل الأحداث إلى كيفية نقلها وحدود ما ينبغي نشره. فتوثيق معاناة الناس لا ينفصل عن صون كرامتهم، وإتاحة المجال أمامهم لسرد تجاربهم لا تبرر انتهاك خصوصيتهم، كما أن تعزيز التماسك المجتمعي لا يعني حجب الانتهاكات، بل معالجتها بمهنية ومسؤولية، بعيدًا عن التضليل والتحريض.
مساحة للأصوات الأقل تمثيلًا
وفي افتتاح المؤتمر، قال عضو مجلس إدارة المركز مصطفى إبراهيم: "إن المركز ينطلق، منذ تأسيسه عام 2007، من رؤية تعتبر الإعلام أداة أساسية لتعزيز حقوق الإنسان والمشاركة المجتمعية والتغيير الإيجابي، لا مجرد وسيلة لنقل الأخبار".
وأوضح أن المركز، بوصفه مؤسسة مستقلة غير ربحية، يسعى إلى الربط بين الإعلام وحقوق الإنسان، من خلال تمكين الصحفيين والصحفيات والنساء والشباب والفئات المهمشة من التعبير عن أصواتهم والمطالبة بحقوقهم والمشاركة في صناعة الحلول.
وأضاف: "برامج المركز تستند إلى قيم العدالة الاجتماعية والمساءلة والإنصاف والشمول، بما يعزز المشاركة المدنية ويوفر مساحة للأصوات الأقل تمثيلًا".

وأشار إلى أن مواصلة تطوير القدرات وبناء الشراكات وتعزيز الوصول إلى المعرفة الموثوقة تجسد توجه المركز في العمل على قضايا الإعلام والحقيقة والقدرة على الصمود.
وفي ختام المؤتمر، شدد المشاركون على ضرورة توعية الجمهور ومندوبي المخيمات بأخلاقيات النشر وحقوقهم، للحد من التصوير العشوائي وانتهاك الخصوصية، إلى جانب توسيع الشبكات الإعلامية التي تسهم في ترسيخ النزاهة ومكافحة المعلومات المضللة.
وتجمع توصيات المؤتمر بين مسارين متكاملين هما، تطوير قدرة المؤسسات الإعلامية على التحقق من المعلومات، وترسيخ مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الأفراد والمجتمع.
وبين هذين المسارين، تبرز الحاجة إلى إعلام قادر على مواجهة التضليل من دون التفريط بكرامة الناس وحقوقهم، وعلى بناء الثقة عبر الشفافية والتصحيح والمساءلة، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.
























