غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تحدّق آمنة خليل (57 عامًا) في زوايا خيمتها القماشية، حيث تتكدّس بعض الملابس والفراش وبقايا الطعام، ثم تتنهّد قائلة: "لم تكن هذه حياتنا".
بعد ثلاث سنوات من الإبادة التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، تستعيد آمنة كيف قلبت الحرب حياتها رأسًا على عقب، موضحة: "خسرت كل شيء، وأكبر خساراتي صحة ابنيَّ، بعدما تعرضا لإصابات صعبة".
كانت آمنة تعيش في منزلها المستقل في جباليا النزلة، شمالي قطاع غزة، برفقة ابنيها، قبل أن تضطر إلى النزوح. تستذكر حياتها السابقة قائلة: "قبل الحرب كانت حياتي مستقرة، ورغم مرض زوجي بالكلى، كان يتلقى العلاج بانتظام، وكانت حياتنا هادئة وطبيعية".
توفي زوجها قبل الحرب، لكن وجود ابنيها وأحفادها كان يخفف عنها وطأة الفقد. وتكمل: "كان في بيتي كل ما أحتاجه.. المياه والكهرباء والإنترنت. في مثل هذا الوقت من كل عام، كان يبدأ موسم الزيتون، فأشتري زيتًا يكفيني لعام كامل، وأخزّن الزيتون والفلفل الأحمر الذي تشتهر به غزة"، أما اليوم، فنتحسّر حتى على شربة ماء، وننتظر عربات المساعدات للحصول على مياه الشرب والاستخدام اليومي".
تلفّ آمنة وجهها بمنديلها وهي تبكي على ابنيها اللذين أصيبا خلال الحرب، أحدهما متزوج، والآخر أعزب يبلغ من العمر 20 عامًا.
"الخيمة جحيم، وبمجرد دخولها أشعر وكأنني دخلت فرنًا، والقوارض تحيط بنا من كل جانب. بعد ثلاث سنوات من الحرب، ما زلت أتذكر بيتي وحياتي السابقة".
وتوضح أن ابنها الأكبر أُصيب قبل عام بشظايا صاروخ استهدف منطقة قريبة من مكان نزوحهم، ما أدى إلى تكسّر أسنانه وإصابته في الفك والبطن. "ولا يزال يعاني آلامًا شديدة ويحتاج إلى عملية جراحية جديدة.. وحتى وهو في هذه الحالة، اضطر إلى إصلاح خيمته".
تشير بيدها إلى المساحة الضيقة المحيطة بالخيمة، قبل أن تتساءل باستنكار: "هل هذه حياة؟". ثم تضيف: "الخيمة جحيم، وبمجرد دخولها أشعر وكأنني دخلت فرنًا، والقوارض تحيط بنا من كل جانب. بعد ثلاث سنوات من الحرب، ما زلت أتذكر بيتي وحياتي السابقة، وتشعرني الحسرة بكل ما فقدته".
ويصادف اليوم، الثالث عشر من أكتوبر، الذكرى الثالثة للنزوح الكبير الذي شهدته غزة مع تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع عام 2023م، حين أُجبر مئات آلاف الفلسطينيين على مغادرة منازلهم تحت وطأة القصف والتهديدات، في موجة نزوح غيّرت ملامح حياتهم وشتّتت العائلات وقطعت صلتها ببيوتها ومناطقها.
وبعد ثلاث سنوات، لا يزال النزوح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للنساء اللواتي فقدن منازلهن واستقرارهن، ولم يعد البيت بالنسبة إليهن مجرد جدران ومأوى، بل ذاكرة حياةٍ كاملة، بما حملته من أمان ولمّة عائلة وتفاصيل بات استعادتها محمّلًا بالحسرة.

وفي خيمة قريبة من خيمة آمنة، تقيم المسنّة فتحية سعد الله (73 عامًا) برفقة زوجها، بعدما شتّتت الحرب عائلتها، واضطر أبناؤها الأربعة وبناتها الأربع إلى النزوح والإقامة في أماكن متفرقة.
تستعيد فتحية أيامها السابقة باكيةً: "كنت أعيش في بيتنا شمالي قطاع غزة، وكان أبنائي جميعًا متزوجين، ولكل منهم شقته، لكنهم كانوا يأتون يوميًا للسهر معي برفقة زوجاتهم وأحفادي". وتضيف بحرقة: "كنت سيدة البيت، يحيط بي الحب من كل جانب. كانت حياتنا بسيطة لكنها مستقرة، وزوجي كان يعمل ودخله يؤمّن لنا حياة كريمة".
لكن النزوح بدّل ملامح تلك الحياة، إذ اضطر أبناؤها إلى الإقامة في مخيمات مختلفة بسبب ضيق المساحات، فيما بقيت هي وزوجها المسن وحدهما.
وبعد سنوات من التعايش مع مرضَي الضغط والسكري، تدهورت حالتها الصحية مؤخرًا وأصيبت بجلطة، في ظل نقص الأدوية وقسوة ظروف المعيشة.
تمسح فتحية دموعها وتقول: "جار علينا الزمان، وأصبحت حياتنا قاسية داخل الخيمة؛ لا أمان ولا حماية، وبالكاد يستطيع أبنائي زيارتنا. لم أعد أرى أحفادي".
"قبل الإبادة كنت أستغرب عندما يشتكي أحد من التعب، فقد كنت مريضة، لكنني أتحرك وأقوم بكل شيء. الآن بالكاد أستطيع الحركة".
وتضيف: "قبل الإبادة كنت أستغرب عندما يشتكي أحد من التعب، فقد كنت مريضة، لكنني أتحرك وأقوم بكل شيء. الآن بالكاد أستطيع الحركة".
يتدخل زوجها، أبو رجب، الذي كان يستعد لغسل ملابسهما، قائلًا: "كانت صحتها جيدة، وكانت تقوم بكل شيء بنفسها. منذ إصابتها بالجلطة، أصبحت أرعاها، فهي لم تتحمل قسوة حياة الخيام بعد الحياة التي اعتادت عليها في بيتنا، وسوء الغذاء والحزن أثّرا فيها كثيرًا".
تقاطعه فتحية قائلة: "في الشتاء الماضي سقطت الخيمة علينا، وأنقذنا الجيران. هل هذه حياة؟ كنا مكرمين في بيوتنا، وهذا ما فعلته بنا الحرب".
وعلى طرف قصيّ من المخيم، تقيم شروق سعد الله (33 عامًا)، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال، بعدما فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها مضطرة إلى إعالة أطفالها وحدها في ظروف قاسية دفعتها أحيانًا إلى التوجه إلى نقاط توزيع المساعدات بحثًا عن الطعام لعائلتها.
تستعيد شروق حياتها قبل الإبادة قائلة: "كانت حياتي مستقرة، وكل شيء متوفر، وإذا احتجنا إلى شيء، كنا نستطيع الحصول عليه".
وتتذكر بيتها الذي تصفه بأنه "كان مليئًا بالحب والحنان"، وهو مكوّن من ثلاث غرف وصالة ومطبخ وحمّامين، حيث عاشت مع زوجها وأطفالها حياة مستقرة ومريحة.
وتضيف: "كان زوجي يحبني وأحبه، وكنا عائلة محبة نشعر بالأمان والاستقرار. الحرب دمرت كل شيء، وأصبح من الصعب حتى الحديث عن حياتنا السابقة، لأن الحديث عنها يجلب الحسرة".

ومن أكثر ما تفتقده شروق طقوس رمضان والعيد؛ إذ كانت تستعد للشهر قبل قدومه، وتزيّن بيتها، وتجهّز ملابس العيد والكعك، وتستقبل الأقارب والمهنئين. وتقول: "الآن لا شيء، حياتنا ماتت، وأرواحنا ماتت".
كما تستذكر ارتباط شهر أكتوبر بموسم الزيتون، فتقول: "لم أكن أقطف الزيتون بنفسي، لكنني كنت أذهب وأجلس تحت شجرة الزيتون وأشاهد القطف، كانت تلك الأيام تحمل لنا الفرح، وكنا نخزّن الزيتون والفلفل الأحمر ومؤونة العام".
أما اليوم، فقد بات أكتوبر مرتبطًا لديها بالحرب والموت والتهجير، ففي أواخر عام 2023م، أُجبر زوجها على النزوح جنوبًا عندما حُوصر مستشفى القدس، بينما بقيت هي مع أطفالها تتنقل من مكان إلى آخر. وتقول: "كنت أعود إلى أطفالي حاملة الدقيق.. لم يتحمل زوجي ما يحدث، فحاول العودة إلى غزة، لكنه استشهد ودُفن في الجنوب".
وتزيد: "اليوم، عندما يأتي أكتوبر، نتذكر الحرب والوجع والتهجير والموت، ولا نتذكر الزيتون أو الفلفل الأحمر أو تفاصيل حياتنا القديمة.. لا أشعر أن هناك أملًا حقيقيًا بتحسن أوضاعنا أو بدء الإعمار قريبًا، فكل ما نسمعه يبدو كلامًا للاستهلاك الإعلامي".
وتختتم شروق حديثها بحسرة: "أشتاق إلى زوجي، وإلى بيتي، وإلى المكان الذي كنت أعيش فيه، وإلى بيت أهلي والعائلة التي نشأت وتربيت بينها. أحيانًا أقول: ليت هذه الحرب لم تحدث".
























