غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يكن مصطفى حمدان يتوقع أن يقوده بلاغ استهداف إلى أقسى لحظات حياته. خرج مع طواقم الدفاع المدني باتجاه منطقة الوحدة، كما فعل عشرات المرات خلال الحرب، يحمل معداته ويتتبع نداءات الاستغاثة بحثًا عن ناجين تحت الركام.
كان يعرف شكل البيوت بعد القصف، ويحفظ أصوات العالقين تحت الأنقاض، لكنه لم يكن يعلم أن المكان الذي يتجه إليه هذه المرة يخفي وجعه الأكبر: كان البلاغ عن استهداف في منطقة الوحدة، أما الضحايا الذين جاء لإنقاذهم فكانوا والده وشقيقه وزوجة شقيقه.
وصل مصطفى بزي رجل الإنقاذ، يبحث عن أحياء يمكن انتشالهم، قبل أن يكتشف أن الركام أمامه يحمل فقده الشخصي. في تلك اللحظة، اجتمع داخله وجع الابن الذي خسر عائلته، ومسؤولية رجل اختار أن يبقى في الميدان لإنقاذ الآخرين.
منذ عام 2003م، يعمل مصطفى في جهاز الدفاع المدني. أكثر من عقدين أمضاهما بين الحرائق والأنقاض، في مهنة يعرف أنها قد تطلب من صاحبها أن يدفع حياته ثمنًا لإنقاذ حياة أخرى.
يقول لـ"نوى": "هذه الحرب تختلف عن كل الحروب، ما رأيناه فيها لم نره في أي حرب سابقة".

لم تكن معركة الدفاع المدني مع الركام وحده، بل مع غياب الأدوات اللازمة للوصول إلى من هم تحته. اعتمدت الطواقم على مركبات قديمة ومتهالكة، وكانت الأعطال ونقص الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار تعطل بعضها عن العمل، فيما اضطر أفراد الطواقم في مرات كثيرة إلى ترك مركباتهم ومواصلة السير على الأقدام حاملين معداتهم.
ومع تعدد البلاغات، كان عليهم اتخاذ قرارات قاسية بشأن المكان الذي يبدأون منه، وفق احتمال وجود ناجين تحت الأنقاض، لأن إنقاذ الأرواح كان يتقدم على الخسائر المادية.
لكن الرجل الذي يخرج لإنقاذ الآخرين كان يحمل خوفًا آخر معه. نزحت زوجته وأطفاله إلى جنوبي القطاع، بينما بقي هو في مدينة غزة لمواصلة عمله، وكان أصغر أبنائه قد ولد قبل الحرب بثلاثة أشهر فقط، فلم تتح له فرصة أن يراه يكبر كما كان يتمنى.
كان يحمل في كل مهمة سؤالًا واحدًا: "ماذا لو لم أعد؟"، فيما ظلت لحظة وداع ابنته له، وهي تمسك بملابسه وتطلب منه أن يذهب معهم، ترافقه في كل مهمة.
ومن بين عشرات عمليات الإنقاذ، بقيت حادثة منطقة الصبرة محفورة في ذاكرته. وصل بلاغ عن وجود أحياء داخل عيادة الوكالة، رغم خطورة الوصول إليها لقربها من مناطق انتشار الجيش.
حاول الدخول من الطريق الرئيس، لكنه فوجئ بطائرة "كواد كابتر"، فتراجع وسلك طريقًا آخر، وحين وصل، وجد جثامين ودمارًا يملأ المكان، لكنه واصل البحث حتى التقط أذنه صوت أنين.

"صرت أدور في العيادة، فسمعت صوت أنين طفل"، يقول مصطفى، ويتابع: "بدأت أنادي: "في حدا هان؟ في حدا هان؟".
قاد الصوت إلى طفل وشقيقه عالقين تحت الركام، بينما كانت والدته وشقيقته وبقية أفراد عائلتهما قد استشهدوا. اقترب مصطفى منه وقال: "لا تخاف يا عمو، والله لأطلعك، أنت ابني".
وبعد إخراجه، طلب منه أن يدعو الله أن يحفظ زوجته وأطفاله.
ولم تكن عائلة مصطفى وحدها التي فقدها، فالحرب أخذت أيضًا زملاءه. كان استشهاد علي عمر خلال مهمة إنقاذ في حارة الريس من أكثر اللحظات التي لا تفارقه. وصلت الطواقم إلى مبنى تعرض للدمار، وصنعت سلمًا من قطع الألمنيوم للوصول إلى الطوابق العليا.
صعد علي وزملاؤه، لكن المكان تعرض لاستهداف مباشر، ليجد زميله محمد عزام نفسه ممسكًا بجزء من يده. بعد نقل علي، تولى مصطفى مهمة إبلاغ عائلته، "والغريب أن والدته كانت تشعر بأن شيئًا أصابه قبل أن تسمع الخبر".
وفق بيانات الدفاع المدني الفلسطيني، فقد الجهاز أكثر من 140 شهيدًا وتجاوز عدد المصابين 350، بينهم من تعرضوا لبتر أو إعاقات دائمة.
ووفق بيانات الدفاع المدني الفلسطيني، فقد الجهاز أكثر من 140 شهيدًا وتجاوز عدد المصابين 350، بينهم من تعرضوا لبتر أو إعاقات دائمة، فيما دُمرت أو خرجت عن الخدمة مركبات ومراكز تابعة له، وحُرم من معدات ثقيلة يحتاجها لعمليات البحث والإنقاذ.. مع ذلك، لا يزال مصطفى يعود إلى الميدان كلما جاء نداء استغاثة، "فعندما يكون هناك إنسان عالق تحت الأنقاض، يبقى الوصول إليه الأولوية الأولى" يختم.
























