الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن عائلة طنجي تنتظر الخامس من آب كما تنتظر يومًا عاديًا. كان موعدًا علّقت عليه آمالها، وأعدّت له ما يلزم لعودة "ولاء" بعد 13 شهرًا من الغياب والاعتقال داخل سجن "الدامون".
أخرجت شقيقتها ملابسها من الخزانة، وجهّزت أغراضها، واستعد بعض إخوتها للتوجه إلى جنين للقائها عند أحد الحاجزين، "سالم" أو "الجلمة"، فيما ظل آخرون في طولكرم يترقبون عودتها، ويجهزون ما يلزم لذلك.
في ذلك اليوم، يفترض أن ينتهي حكم الاحتلال على ولاء بالسجن لمدة 13 شهرًا، بعد أن دفعت غرامة مالية قدرها 3 آلاف شيقل. وكان يفترض أن ينتهي معه انتظار طويل، لوجهٍ غاب عن أحبته طويلًا خلف قضبان "الدامون".
عند ذلك الموعد لم تنتهِ الحكاية، بل بدأت بوجعٍ أكبر. بدلًا من الإفراج عنها، مدّد الاحتلال احتجازها وحوّلها إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.
لكن الخامس من آب جاء، ولم تصل ولاء. لم تُفتح أبواب الدامون، وعادت الملابس إلى الخزانة.. عند ذلك الموعد لم تنتهِ الحكاية، بل بدأت بوجعٍ أكبر. بدلًا من الإفراج عنها، مدّد الاحتلال احتجازها وحوّلها إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، لتجد العائلة نفسها أمام غياب جديد، وموعد آخر لا تعرف أين سينتهي.
ولاء، بالنسبة إلى من يعرفونها، ليست أسيرة فحسب، هي شقيقة وابنة وخالة، وامرأة كان لها بيت تحبه. تصفها شقيقتها ليلى بأنها "شجاعة، قوية وجبّارة، وحنونة وكريمة واجتماعية، تحب الاهتمام بالآخرين ومعروفة بعطائها اللا متناهي".
الاعتقال فردٌ من العائلة
لم يكن الاعتقال غريبًا عن بيت ولاء، ولم يدخل إليه للمرة الأولى حين كبرت. بدأت حكايته معها وهي طفلة، عندما اعتُقلت والدتها، التي أمضت نحو عشر سنوات في الأسر، قبل أن يُفرج عنها وتفارق الحياة بعد فترة قصيرة.
ومنذ ذلك الوقت، صار الفقد يتردد في البيت بأشكال مختلفة؛ اعتقالًا مرة، واستشهادًا مرة، وإصابة ونزوحًا مرات أخرى.
اعتُقلت ولاء ثلاث مرات خلال فترات متقاربة، وفي كل مرة وُجّهت إليها تهمة مختلفة تؤكد عائلتها أنها باطلة. وفي أحد الاعتقالات، وصلها خبر استشهاد شقيقها من أسيرة كانت معها في السجن. كان خبرًا أثقل من قدرتها على الاحتمال، فانكسر شيء في داخلها، وتدهورت حالتها النفسية والصحية.
تقول ليلى لـ"نوى": "ما إلنا حدا غير بعض، وبنعيش الوجع مع بعض"، موضحة أن العائلة كانت تحاول حمايتها من الأخبار التي قد تزيد ألمها داخل السجن، فيما كانت ولاء، في الجهة الأخرى تعيش خوفًا مرًا على أفراد عائلتها.

ولم يترك النزوح للعائلة فرصة لالتقاط أنفاسها. خلال العدوان على مخيمات شمال الضفة الغربية، وتحديدًا مخيم طولكرم الذي كانت تقيم فيه، أُجبر أفرادها على مغادرة منزلهم، دون أن يعرفوا إلى أين يمضون أو أين يمكن أن يستقروا.
وبعد النزوح، اعتُقلت ولاء مجددًا، وهكذا، تراكمت على العائلة خسارات لا تنتهي: اعتقال، واستشهاد، وإصابة، ونزوح، ثم اعتقال جديد.
اليوم، لا تزال ولاء في سجن الدامون، أو "المقبرة" كما تسميه الأسيرات. تقبع في العزل إلى جانب خمس أسيرات أخريات، وبحسب ما نقلته أسيرة للعائلة، تعرضت الأسيرات لعملية قمع داخل الغرف، اقتدن خلالها إلى الساحة، وتعرضن للضرب والدعس، إلى جانب إطلاق الغاز عليهن.
وراء ذلك الباب، لا تعيش ولاء وحدها تجربة الانتظار. ثمة عشرات الأسيرات اللواتي يواجهن ظروفًا تتشابه في قسوتها، وإن اختلفت تفاصيلها.
سراحنة: "تستمر بحق الأسيرات سياسات التجويع والقمع والتعذيب والتنكيل والتفتيش العاري والتحرش والتهديدات، فيمات تصاعدت عمليات القمع منذ آذار".
بدورها، تقول أماني سراحنة، مديرة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني: "إن قضية ولاء تأتي ضمن مشهد أوسع تعيشه الأسيرات داخل السجون منذ بداية الحرب؛ إذ تستمر سياسات التجويع والقمع والتعذيب والتنكيل والتفتيش العاري والتحرش والتهديدات، فيما تصاعدت عمليات القمع منذ آذار/مارس الماضي، بما فيها الضرب المبرح".
لكن المعاناة لم تتوقف عند ذلك. تضيف سراحنة لـ"نوى": "التطور الجديد يتمثل في انتشار مرض الجرب، وسط صعوبة حصر أعداد المصابات"، مرجحة أن تكون الحالات أكثر من الموثق، خصوصًا أن المرض معدٍ، في ظل الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية وصعوبة الحصول على العلاج.
تعيش نحو 90 أسيرة في عزلة عن العالم الخارجي، ولا تصل إليهن الأخبار إلا عبر المحامين، فيما تحد القيود المفروضة على الزيارات من قدرة المؤسسات على متابعتهن.
وتعيش نحو 90 أسيرة في عزلة عن العالم الخارجي، ولا تصل إليهن الأخبار إلا عبر المحامين، فيما تحد القيود المفروضة على الزيارات من قدرة المؤسسات على متابعتهن.
ووفق سراحنة، فإن المؤسسات لا تستطيع أحيانًا زيارة أكثر من 90 أسيرة خلال أسبوع أو شهر، بينما قد تضم الزنزانة الواحدة نحو عشر أسيرات، ما يزيد من صعوبة الظروف الصحية والإنسانية.
وترى أن الحديث عن احتمال اتساع انتشار الجرب ليس مجرد تخوف، بل يستند إلى تجربة سابقة مع الأسرى، وإلى استمرار الظروف التي ساهمت في انتشار المرض داخل السجون.
في بيت ولاء، مر الخامس من آب، وبقيت ولاء في الدامون.. لم يعد ذلك الموعد نهايةً للغياب، بل بدايةً لغيابٍ آخر، مدته ستة أشهر، لا تعرف العائلة إن كانت ستنتهي عنده الحكاية أم سيُفتح بعدها باب جديد للانتظار.
























