شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 15 يوليو 2026م17:14 بتوقيت القدس

حين تصبح الأغنية علاجًا لطفولة غزة

15 يوليو 2026 - 16:19

قطاع غزة:

"كابتن.. بدنا حفلة" بهذه الكلمات يستقبل الأطفال المدرب أحمد أبو شاويش كلما رأوه، وكأنهم يطالبون باستعادة ساعات قليلة من طفولة اختطفتها حرب الإبادة الإسرائيلية، فما إن يصل إلى إحدى المساحات داخل مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، حتى يتجمع عشرات الأطفال حوله، يشكلون دائرة صغيرة، ويبدؤون بالتصفيق وترديد الأغاني الجماعية.

وللحظات، يتراجع هدير الحرب، لتحل محله أصواتهم وضحكاتهم، وعلى مقربة منهم، تتحول مساحة أخرى إلى ملعب مؤقت، يركض فيه الأطفال في سباقات قصيرة، ويتبادلون الكرات والبالونات، ويقفزون في ألعاب جماعية تعيد إليهم شيئًا من الحياة.

في غزة، أصبحت الموسيقى والرياضة وسيلتين يعتمد عليهما متطوعون ومدربون ومؤسسات مجتمعية للتخفيف من الآثار النفسية التي خلفتها الإبادة، خاصة لدى الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم ومساحاتهم الآمنة.

يقود أحمد أبو شاويش تدريبات للكورال والغناء الجماعي، ويوظف الموسيقى بوصفها أداة للدعم النفسي والاجتماعي، ويقول لـ"نوى" إنه بعد نحو ستة أشهر من الحرب بدأ هو ورفاقه بالنزول إلى خيام النازحين، يجمعون الأطفال في الساحات ويغنون معهم الأغاني الشعبية، كان العمل تطوعيًا في البداية، ثم بدأت المؤسسات تستقطبهم بعدما رأت أثر هذه الأنشطة على الأطفال.

ويضيف: "الكورال لم يكن يحظى باهتمام واسع قبل الحرب، لكن الظروف الاستثنائية منحته دورًا مختلفًا، إذ أصبح جزءًا من برامج الدعم النفسي داخل مراكز الإيواء والخيام، بعدما فقد الأطفال مدارسهم وروتينهم اليومي".

ورغم أن الفريق لا يضم معالجين نفسيين، يؤكد أبو شاويش أنهم تلقوا تدريبات في العلاج بالموسيقى، وأصبحوا يعملون إلى جانب المختصين في برامج الدعم النفسي الاجتماعي.

يتحدث: "لسنا معالجين نفسيين، لكننا نحاول أن نمنح الأطفال مساحة للفرح. ومع الوقت تعلمنا كيف يمكن للموسيقى أن تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من التوتر الذي يعيشونه".

ويتابع أبو شاويش أيضًا أن إقناع الأهالي لم يكن سهلًا في البداية، إذ انشغل كثير منهم بتأمين الطعام والمأوى، قبل أن يلاحظوا التغير الذي أحدثته هذه الأنشطة في أطفالهم، موضحًا: "في البداية كان بعض الأهالي يرفضون إرسال أطفالهم، لكنهم بعد ذلك أصبحوا يرسلونهم بأنفسهم بعدما شاهدوا التغير النفسي الذي أحدثه الكورال، خاصة في ظل غياب المدارس والحياة الطبيعية".

ولا تقتصر محاولات التخفيف من آثار الحرب على الموسيقى وحدها، ففي مخيم المغازي، وجد لاعب كرة القدم والمدرب السابق في أكاديمية "تشامبيونز"، إسماعيل شلتوت، نفسه مضطرًا للبحث عن بديل بعدما دُمر الملعب الذي كان يعمل فيه مع بداية حرب الإبادة.

يقول إنه بدأ بتنظيم مجموعات صغيرة من الأطفال النازحين، ينفذ ألعابًا ترفيهية تعتمد على الكرات والبالونات، والسباقات القصيرة، والألعاب الجماعية التي تشجعهم على الحركة والتفاعل.

ويؤكد شلتوت أن الهدف لم يكن تدريب الأطفال على الرياضة بقدر ما كان منحهم فرصة لاستعادة جزء من طفولتهم، ولو لساعات قليلة.

ويرى المختص النفسي أحمد منصور، العامل في مجال الدعم النفسي للأطفال، أن الأدوات الإبداعية، مثل الموسيقى والفنون والرياضة، تعد من أكثر الوسائل فاعلية في تعزيز الصمود النفسي لدى الأطفال في مناطق النزاعات.

يوضح لـ"نوى" أن العلاج بالموسيقى يقوم على فكرة أن الصوت والإيقاع قادران على تنظيم العاطفة وتهدئة الجهاز العصبي، مشيرًا إلى أن أطفال غزة يعيشون تحت ضغط نفسي مستمر نتيجة القصف، والنزوح، وفقدان الشعور بالأمان، ما يجعل الموسيقى وسيلة للتفريغ الانفعالي واستعادة قدر من التوازن النفسي، فيما تسهم الأنشطة الجماعية في تعزيز الإحساس بالانتماء والدعم الاجتماعي.

ويشير منصور إلى أن هذه البرامج تستهدف الأطفال الذين فقدوا أحد أفراد أسرهم، أو تعرضوا لصدمات الحرب والنزوح، أو يعانون القلق واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية، ويوصي بدمج الموسيقى والأنشطة الإبداعية داخل المدارس والمراكز المجتمعية، وتدريب المرشدين والأخصائيين على توظيف الكورال ضمن برامج الدعم النفسي، إلى جانب توفير مساحات آمنة للأطفال وإشراك الأسر في هذه الأنشطة.

ويستذكر أبو شاويش خلال عمله مع الأطفال، حتفظ بقصص تركت أثرًا عميقًا لديه، من بينها تجربة الطفلتين رهف ورباب صبح، اللتين نجتا من تحت الأنقاض في بداية الحرب، ووجدتا في الكورال مساحة للتعبير عن تجربتهما، قبل أن يشارك معهما في إنتاج فيلم قصير يوثق الغناء الجماعي بوصفه أداة للتشافي.

ويلفت إلى أن الفتيات يُقبلن على الغناء الجماعي أكثر، بينما يفضل كثير من الفتيان الأنشطة الحركية والرياضية، وهو ما يعكس أهمية تنويع وسائل الدعم النفسي بما يتناسب مع احتياجات الأطفال المختلفة.

ووفق أبو شاويش الذي كان مسؤولًا قبل أربعة أشهر عن مبادرة "غزة التي نريدها"، فقد استهدفت 600 طفل وطفلة، وشارك نحو 150 طفلًا توزعوا على عدة فقرات، وكانت مؤسسة تامر مسؤولة عن فقرة الكورال، كما نفذوا أنشطة داخل مخيمات الأيتام.

يبتسم أبو شاويش وهو يسمع النداء المتكرر، ثم يختم: "أطفالنا ليس لهم ذنب في هذه الحروب، وهم يملكون مواهب كبيرة. ربما لم يكن الكورال هو الحل، لكنه كان بسمة أمل، ووسيلة ساعدت كثيرًا منهم على الخروج، ولو قليلًا، من الظلام إلى النور".

ولعل هذا ما يفسر استمرار الأطفال في طرق بابه حتى اليوم. فحين يرددون: "كابتن.. بدنا حفلة"، فهم لا يطلبون الغناء وحده، بل يطلبون لحظةً يستعيدون فيها طفولتهم، ولو لساعات قليلة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير