قطاع غزة:
"كنت أغلق النافذة كل صباح حتى لا أسمع صوت بائع الكعك.. اليوم، لو عاد ليوقظني قبل الفجر، فلن أغلقها أبدًا".. تقول سمر ريان، ثم تسخر من مفارقة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستعيشها، فالأصوات اليومية التي كانت تتمنى لو تتأخر ساعة واحدة، أصبحت اليوم أكثر ما تشتاق إليه.
قبل الإبادة، كانت سمر، وهي أم لخمسة أطفال، تسكن في الطابق الثالث من بناية تطل على شارع النزاز، شرقي حي الشجاعية، لم تكن تضبط منبّهًا قبل النوم، إذ كان الشارع يتكفل بإيقاظ الحي كله.
عند الخامسة والنصف فجرًا، كان أول الواصلين بائع الكعك، يدفع عربته الحديدية بصوتها الذي يسبق حضوره، ثم يشق سكون الفجر بندائه الطويل "كعك.. كعك".. ولم يكن يخفض صوته، ولم يكن يتوقف، حتى حين كان بعض الجيران يطلون من شرفاتهم مطالبين إياه بأن يرفق بنوم الأطفال، يعتذر بابتسامة، ثم يكمل طريقه.
ومن آخر الشارع، كان بائع آخر يرد عليه بندائه، لا أحد منهما يرى الآخر، لكن النداءين كانا يتعاقبان كأنهما حوار صباحي قديم تحفظه الشجاعية عن ظهر قلب.
بعد دقائق، تتبدل موسيقى المكان، تُفتح أبواب المنازل تباعًا، يركض الأطفال بحقائب تكاد تلامس الأرض، تمسك الأمهات بأطراف قمصانهم لتعديلها في اللحظة الأخيرة، ويعلو جرس المدرسة معلنًا بداية يوم جديد.
عندها، يمتلئ الشارع بضجيج لم يكن يزعج أحدًا بقدر ما كان يثبت أن الحياة تمضي كما ينبغي؛ وربّما كانت هذه حقيقة متأخرة -وفق سمر-، التي تتذكر كيف حفظت أسماء كل الأطفال حين يناديها الآباء يوميًا.
وتضيف "كنت أناجي لأجل ساعة هدوء، وأقول يا ليتنا لم نسكن على شارع عام، لكنني اليوم أبكي هذه الأيام وأقول يا ليت يوم واحد من أيامنا تعود، بعيدًا عن الخيام وصخب النزوح والعراك على طوابير المياه والخبز والحطب".

في حي آخر، لم يكن مجدي حسن محبوبًا لدى جميع الجيران، كل صباح، كان يحمل صندوق الخضار على عربة صغيرة، ويملأ الشارع بندائه الممدود، يكرر أسماء البندورة والخيار والبطاطا بالطريقة نفسها، حتى إن بعض السكان كانوا يشتكون منه، وذات مرة، خرج إليه رجل غاضب لأنه أيقظ طفله الرضيع.
ومرة أخرى، طلبت منه امرأة أن يبتعد قليلًا عن نافذتها لأن ابنها يستعد لامتحان الثانوية، كان يعتذر، ثم يعود في اليوم التالي، ويكرر النداء ذاته، أما بالنسبة لليوم، حين يصادفه الناس يخبرونه "لم نكن نعرف أن كل هالإزعاج.. كان اسمه حياة، اشتقنا لصوتك واشتقنا لأحلى تفاصيل كنا نظنها إزعاجًا".
تتحدث إحدى جاراته إنها كثيرًا ما تستيقظ على صوت الطائرات، ثم تتخيل لثوانٍ أن "أبا محمد" عاد ينادي تحت نافذتها، "أفتح عيني بسرعة.. ثم أتذكر أنه لم يعد هناك شارع أصلًا" -تزيد-.
تتابع: "لم أكن أظن أنني سأشتاق إلى الصوت الذي كنت أغلق التلفاز بسببه ويثير غضبي، ولم أتخيل يومًا أنني سأصبح وأسرته أصدقاء لهذا الحد، لكنني عرفتهم أكثر برحلات النزوح المختلفة عندما ضاقت بنا الأرض وكانوا سندًا لنا وكل من يحتاجهم".
أما نعيمة الحلو، التي كانت تعيش مقابل مدرسة في مخيم جباليا، كانت تمازح جاراتها دائمًا بأن إدارة المدرسة لا تحتاج إلى ساعة؛ فمكبرات الصوت تتولى إيقاظ الحي بأكمله.
ما إن تبدأ الإذاعة المدرسية بتلاوة القرآن، حتى تدرك أن عليها أن تسرع، فتضع إبريق الشاي على النار، وتقلب البيض بيد، بينما تبحث بالأخرى عن جورب اختفى تحت الأريكة، وتصرخ على أحد أبنائها كي يغسل وجهه، وتعيد ربط ضفيرتي ابنتها اللتين أفسدهما اللعب قبل دقائق، ثم يأتي الجرس.
تخبرنا أن أكثر ما تشتاق إليه في تلك التفاصيل البسيطة -وإن كانت تمتعض أحيانًا من أصوات المدرسة أو الطلاب لحظة عودتهم-، ازدحام الأرصفة بالأطفال، الأمهات الواقفات أمام الأبواب، يوم توزيع الشهادات والسكاكر والحلويات احتفاءً بالنجاح.
وتلفت إلى أن أحد أطفالها الذين ولد قبل الإبادة بعامين، لا يعرف حتى اليوم ماذا يعني "جرس المدرسة"، في حين ينبّش أشقاؤه عن هذه الذكريات دائمًا.
























