لم يعد محمد ياسين (30 عاماً)، وهو مريض تلاسيميا من قطاع غزة، ينتظر وحدة الدم باعتبارها موعداً علاجياً عادياً، بل باعتبارها فرصة جديدة للاستمرار في الحياة
يعيش ياسين كغيره من مرضى التلاسيميا معاناة متفاقمة منذ اندلاع الحرب، في ظل النقص الحاد في وحدات الدم وانعدام أدوية طرد الحديد اللازمة لمتابعة العلاج. ويصف أوضاع المرضى بأنها "كارثية"، موضحاً أن الدم بالنسبة لهم ليس علاجاً مؤقتاً يمكن تأجيله، بل حاجة أساسية ومتكررة لا يمكن الاستغناء عنها، يقول إن تدهور الظروف المعيشية وانتشار سوء التغذية بين المواطنين انعكس بشكل مباشر على المرضى، حيث ازدادت هشاشة أجسامهم وضعفت قدرتهم على مقاومة الأمراض والمضاعفات الصحية، ويضيف أن بعض المرضى اضطروا إلى الانتظار شهرين أو ثلاثة أشهر للحصول على وحدة دم واحدة، الأمر الذي تسبب بانخفاض مستويات الهيموغلوبين إلى خمس غرامات وأقل، وهي مستويات تشكل خطراً مباشراً على الحياة.
ياسين ليس سوى واحد من آلاف المرضى ممن تكشف معاناتهم حجم الحاجة إلى وحدات الدم في قطاع غزة، حيث يتزايد الطلب عليها مع استمرار حرب الإبادة وزيادة عدد الجرحى والمصابين، إلى جانب المرضى الذين يعتمدون على نقل الدم بشكل دوري، مثل مرضى الثلاسيميا والسرطان وأمراض الدم المختلفة.
في المقابل، تواجه بنوك الدم نفسها معركة بقاء لا تقل صعوبة عن معركة المرضى، وفق ما يؤكد رئيس جمعية بنك الدم في قطاع غزة، ناهض أبو عاصي لـ نوى والذي أوضح إن العدوان الإسرائيلي ألحق دماراً واسعاً بمرافق الجمعية، حيث تم تدمير مقري خانيونس ورفح بشكل كامل، بما يحتويانه من أجهزة ومستلزمات طبية ومكاتب إدارية، إضافة إلى تدمير منظومة الطاقة الشمسية في المقر الرئيسي بمدينة غزة.
ورغم هذه الخسائر، لم تتوقف خدمات الجمعية. ويوضح أبو عاصي أن الطواقم عملت منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة على تنفيذ حملات ميدانية للتبرع بالدم داخل التجمعات السكانية ومراكز النزوح، حيث كانت وحدات الدم تُجمع وتنقل مباشرة إلى المستشفيات العاملة في القطاع.
ويشير أبو عاصي إلى أن الجمعية تمكنت خلال عام 2024 من جمع نحو سبعة آلاف وحدة دم، ساهمت في تغطية جزء من احتياجات المستشفيات والمرضى، رغم الظروف الاستثنائية التي أحاطت بعملها.
وأوضح أبو عاصي أن الحرب تسببت خلال فترات طويلة بانخفاض أعداد المتبرعين بالدم، نتيجة سوء التغذية ونقص الغذاء اللازم للحفاظ على نسب الهيموغلوبين المطلوبة للتبرع، إلى جانب صعوبة التنقل والمخاطر الأمنية التي واجهها المواطنون خلال الإبادة.
وفي المقابل، ارتفع الطلب على وحدات الدم بشكل غير مسبوق مع تزايد أعداد الجرحى والمصابين، فضلاً عن احتياجات المرضى الذين يعتمدون على نقل الدم بشكل دوري، ما دفع الجمعية إلى توسيع نطاق حملاتها الميدانية لتعويض النقص وتلبية احتياجات المستشفيات.
ويؤكد أبو عاصي أن الجرحى يشكلون الفئة الأكثر احتياجاً للدم في الوقت الراهن، إلى جانب مرضى السرطان الذين تفاقمت معاناتهم خلال الحرب، في ظل نقص الخدمات العلاجية وصعوبة السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، الأمر الذي زاد العبء على المؤسسات الصحية العاملة.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على تراجع أعداد المتبرعين، بل امتدت لتطال البنية الفنية لبنوك الدم نفسها، إذ تعرضت أجهزة ومعدات أساسية للتدمير، من بينها أجهزة فحص الدم والكشف عن الفيروسات، وأجهزة فصل مكونات الدم، والثلاجات والفريزرات المخصصة لحفظ وحدات الدم والبلازما، إضافة إلى النقص الحاد في أكياس الدم والمستهلكات الطبية الضرورية لاستمرار العمل.
ويحذر أبو عاصي من أن استمرار منع إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية اللازمة لتعويض ما تم تدميره يهدد قدرة بنوك الدم على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، خاصة في ظل الاستنزاف المستمر للموارد الصحية داخل القطاع.
ولفت أبو عاضي أن الجمعية تواجه تحديات تشغيلية يومية مرتبطة بأزمة الطاقة، بعد تدمير منظومة الطاقة الشمسية التابعة للمقر الرئيسي، إلى جانب النقص المستمر في الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية، وتهالك المولدات الموجودة نتيجة الاستخدام المتواصل، ما يشكل خطراً على عمليات حفظ وحدات الدم ومشتقاتها التي تحتاج إلى درجات حرارة محددة على مدار الساعة.
ورغم ذلك، يشير أبو عاصي إلى أن معدلات التبرع شهدت تحسناً نسبياً بعد فترات الهدوء، وعادت إلى مستويات قريبة من تلك التي كانت سائدة قبل الحرب، وهو ما يعكس حجم الوعي المجتمعي بأهمية التبرع بالدم، هذا الوعي يجسده محمد أبو زيد، أحد المتبرعين بالدم من مدينة رفح، والذي يؤكد أنه لا يتردد في المشاركة بأي حملة للتبرع
ويقول: "طالما هناك مرضى وجرحى بحاجة للدم، فلا يجوز أن نتأخر عن مساعدتهم. تبرعت قبل نحو ثلاثة أشهر، وسأواصل التبرع كلما استطعت، لأن هذا أقل ما يمكن أن نقدمه في هذه الظروف
ويشدد أبو زيد على أهمية استمرار حملات التبرع والوصول إلى مختلف المناطق، معتبراً أن إنقاذ حياة إنسان يستحق من الجميع بذل ما يستطيعون تقديمه.
























