كارثة بيئية جديدة تتهدد مئات النازحين الفلسطينيين الذين أقاموا خيامهم في محيط بركة الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، في ظل ارتفاع منسوب مياه الصرف الصحي إلى نحو ثلاثة أمتار، وتوقف مضخات الضخ عن العمل نتيجة نقص المحروقات.
هذا الواقع، الذي يترافق مع تراكم النفايات في محيط البركة التي تبلغ مساحتها نحو 80 دونمًا، أدى إلى انتشار واسع للبعوض والذباب والقوارض، إضافة إلى روائح كريهة باتت تؤثر بشكل خاص على مرضى الجهاز التنفسي وكبار السن والأطفال.
على مقربة من البركة التي تغيّر لون مياهها إلى الأحمر الداكن، تقيم الحاجة أم إبراهيم الطبش داخل خيمة نزحت إليها أواخر العام الماضي بعد تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنزلها في الحي ذاته. تجلس السيدة الخمسينية وهي تغطي أنفها بإحكام بمنديل، محاولة التخفيف من حدة الرائحة، وتقول:"البعوض أكل وجوهنا من كثرة القرص، والفئران والجرذان أكلت ملابسنا وطعامنا، وأخشى من تفشي أمراض أخرى مثل الطاعون".
على بعد أمتار قليلة، يعيش الحاج أبو إسماعيل صلوحة مع زوجته وطفله يوسف (4 أعوام)، وسط خيام أبنائه وأحفاده الذين يشاركونه القلق ذاته من تفاقم الكارثة البيئية.
يحمل حفيدته إيمان (4 سنوات) التي تقول ببراءة: "البعوضة بتقرص… ما بعرفش أنام منها". يقول صلوحة لـ"نوى": "بعد الدمار الذي طال بيوتنا نزحنا إلى خيام في محيط بركة الشيخ رضوان، ولا يوجد اهتمام بالنظافة أو رش المبيدات، رغم مراجعتنا للجهات المعنية دون جدوى".
ويشير إلى أن نحو 208 خيام تقام في الموقع، في وقت تبدو فيه الجهود الإغاثية عاجزة، إذ لم تكفِ كميات السم المحدودة التي وُزعت مرة واحدة في الحد من انتشار الحشرات، ما دفع الأهالي إلى مناشدة عاجلة لتدخل يشمل رش المبيدات وسحب المياه من البركة.
تتدخل زوجته وهي تُظهر آثار اللدغات على ذراعها: "حتى طفلي يوسف لا ينام طوال الليل، وجهه امتلأ حبوبًا بسبب القرص".
ويصف محمد أبو مايلة، مدير مركز الإيواء في محيط بركة الشيخ رضوان، الأوضاع البيئية والصحية داخل المخيم بأنها "خارجة عن السيطرة"، نتيجة ارتفاع منسوب المياه وما تبعه من انتشار واسع للبعوض والذباب والقوارض، مؤكدًا أن نحو 200 عائلة نازحة تعيش كارثة حقيقية بعد أن فقدت منازلها.
ويشير إلى أن شح إمكانات البلدية بفعل الحرب وتدمير عدد كبير من معداتها حوّل المنطقة إلى بؤرة للمكاره الصحية، دون تدخل فعلي للحد من الكارثة. ويقول: "النظافة الشخصية مسؤولية الفرد، لكن مكافحة البيئة والأوبئة مسؤولية البلدية والمؤسسات الدولية".
ويقترح أبو مايلة استثمار مولد البلدية القريب لتزويد المخيم بالمياه، في ظل تكبد الأهالي تكاليف مرتفعة للحصول عليها.
كما يؤكد أن المخيم يفتقر كليًا لشبكات الصرف الصحي، وأن الحفر الامتصاصية بدأت تفيض بالمياه العادمة بين الخيام، ما دفع الأهالي، وبموافقة لجنة الحي، إلى حلول مؤقتة عبر تمديد مواسير لتصريف المياه نحو شارع مجاور مدمر بالكامل، في محاولة للتخفيف من الأزمة.
وبحسب بيانات إدارة المخيم، فإن 22 عائلة تضم أفرادًا يعانون من أمراض تنفسية، إضافة إلى تسجيل ثلاث حالات دهس لأطفال من قبل مركبات تابعة للبلدية، و80 مخالفة مختلفة، و40 شكوى تتعلق بتسليك حفر الصرف الصحي.
وفي ردها، أوضحت بلدية غزة، على لسان الناطق باسمها حسني مهنا، أن بركة الشيخ رضوان أُنشئت أساسًا ضمن منظومة تجميع مياه الأمطار وإدارة المياه في المدينة، وتُعد الأكبر من نوعها، إلا أن الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب، بما في ذلك شبكات الصرف الصحي، إلى جانب الكثافة السكانية ووجود نازحين في محيطها، فاقمت الضغوط البيئية.
وأضاف أن البلدية رصدت تراكم نفايات وانتشار حشرات وقوارض، فضلًا عن شكاوى متكررة من الروائح الكريهة، ما ينعكس سلبًا على الصحة العامة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والتنفسية.
وفيما يتعلق بانتقادات السكان، أوضح مهنا أن البلدية تعمل في ظروف استثنائية نتيجة تدمير معداتها ونقص الوقود ومنع إدخال المبيدات وقطع الغيار، مؤكدًا أن حجم الاحتياجات يفوق الإمكانات المتاحة.
وأكد أن البلدية تتعامل بجدية مع الشكاوى الموثقة، داعيًا إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات، ومشيرًا إلى أن تحسين أوضاع المخيمات المحيطة يتطلب دعمًا عاجلًا لإعادة تأهيل البنية التحتية، في حين تبقى التدخلات الحالية محدودة ومؤقتة في ظل الظروف الراهنة.
























