شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 09 ديسمبر 2022م12:16 بتوقيت القدس

منصور الشحاتيت عزيز النفس الذي أفقده الاحتلال الذاكرة

10 ابريل 2021 - 20:18

الخليل:

صباح يوم 9 نيسان، تزينت شوارع وجدران مدينة دورا بمحافظة الخليل لاستقبال الأسير الفلسطيني المحرر منصور الشحاتيت "35 عامًا" والذي يُفرج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي بعد قضائه 17 عامًا.

على باب منزل عائلته، تقف والدته أم محمد متقدمة مجموعة من النسوة يتجهزن لإطلاق الزغاريد لدى وصول الشاب الذي يذكروه حين كان في 18 من عمره، لكن بمجرد وصوله سرعان ما انقلب كل شيء رأسًا على عقب.

فالشاب الذي عرفوه فطنًا ذكيًا ها هو ينزل من السيارة لا يعرف أحدًا حتى والدته التي صُدمت من المشهد، جسد منهك بالكاد يقوى على السير وذاكرة شبه ممسوحة، ومن وسط صدمة وذهول الجميع قال منصور :"صبرت في السجن وطلعت عزيز النفس مش مذلول حاربت عن أهلي وإخواني ووطني وكل حياتي مطاردة وعشانهم تطاردت من سجن لسجن".

عزيز النفس منصور، خانته الدموع التي تدفقت من عينيه وهو يقول "كانوا يضربوني"، ثم احتضنه شبان في منتصف العمر لا يعرفهم رغم أنهم كانوا في زهرة عمره رفاق الدرب، منصور بالكاد يتمكن من تفسير الكلام لكنه ورغم ما حلّ بذاكرته ظلّ ما تبقى من ذاكرته يترجم في سلوكه ومفرداته عزة النفس والكرامة.

اقرأ/ي أيضًا: الإهمال الطبي بحق الأسرى جريمة الاحتلال الكاملة

بين معتقل وآخر نقل الاحتلال الإسرائيلي منصور حتى أنه قضى آخر عشر سنوات من عمره في العزل الانفرادي بسجن النقب الصحراوي، غرفة نتنة رطبة داكنة، بالكاد تبلغ 4 أمتار طولًا وعرضًا، قبر إذن يُوضع فيه الأسرى الفلسطينيون اعتاد الاحتلال نقلهم إليها تعذيبًا، حتى يصابوا باضطرابات نفسية لا أحد يدري متى يمكن علاجها.

ووفقًا لمكتب إعلام الأسرى تعرض خلال التحقيق إلى جولات تعذيب قاسية وضرب شديد، الأمر الذي أدى إلى إصابته باضطراب وعدم انتظام دقات القلب، وبدلا من متابعة حالته وتقديم العلاج له قام الاحتلال بعزله لفترة طويلة مما ادى الى اصابته بضيق في التنفس، وحالة من فقدان الذاكرة .

وأضاف إعلام الأسرى أن الأسير "الشحاتيت" أصيب بالعديد من الأمراض نتيجة الإهمال الطبي المتعمد بحقه منذ سنوات طويلة، وكان يعتبر من أحد أصعب الحالات المرضية داخل السجون، و قد أصيب بمرض نفسي خطير، وفاقد للذاكرة بنسبة كبيرة جدا، وبالكاد كان يتعرف على زملائه الأسرى في السجن.

يقول منصور بصوت منهج متقطع :"أخبرت الاحتلال أكثر من مرة بحالتي الصحية السيئة لم يهتموا"، ثم أغمض عيناه وعاد للبكاء، فهو لا يصدق بعد أنه رأى النور.

من وسط الجموع التي بدا في وسطها مندهشًا مذهولًا يروي ساعاته الأخيرة في السجن:"مش مصدق إني روحت، إجا السجان عند الحديد بيقوللي انت منصور قوم روّح ما صدقته".

منصور الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي عام 2003 حين كان صبيًا ذكيًا في المدرسة بدعوى محاولته طعن مستوطن، حكمه الاحتلال بالسجن كله هذه المدى تعرّض خلالها للتعذيب والضغط النفسي مترافقًا مع الإهمال الطبي حتى خرج على هذه الحالة.

اقرأ/ي أيضًا:  طفلٌ ينزِف.. أمام قضاء "إسرائيل"!

والدته أم محمد التي ألجمتها الصدمة لم تعرف ماذا تقول، احتضنت ابنها الذي لم يعرفها بعد وقالت:"بكل الأحوال أشكر الله أنه خرج من السجن، ليس أمامنا سبيل سوى البحث عن علاج لابني".

حين اعتقل الاحتلال منصور كان متفوقًا في مدرسته، يحفظ 20 جزءًا من القرآن ويدرس عدة لغات قبل أن يتحول إلى شاب بلا ذاكرة ومصاب بالاضطراب النفسي نتيجة الإهمال الطبي في سجون الاحتلال.

أما والده فقال لوسائل الإعلام: "بالطبع هناك غصة، سنوات وأنا انتظر رؤية فلذة كبدي وعندما يخرج أجده بهذه الحالة، حين اعتقلوه كان وزنه 75 كيلو ويركض لعدة كيلومترات، ويدرس اللغة الإنجليزية، والآن أراه بهذه الصورة".

اقرأ/ي أيضًا:إضراب الأسرى.. جِياع الحرية زادُهم "أمل"

ما حدث لمنصور أثار تفاعلًا كبيرًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي وانتشرت صورته محليًا وعربيًا، يعقّب والده:"الإعلام هو سبيلنا لإيصال صوت أسرانا، ابتلينا منذ وعد بلفور ولحتى الآمن بشلالات الدماء وأبناءنا الذين يزجهم الاحتلال في سجونه وذنبهم أنهم رفضوا الاحتلال".

مشهد الأسير المحرر الشحاتيت لن يُمحى حتمًا من ذاكرة الفلسطينيين الذين يحمّلون الاحتلال مسؤولية ما حلّ به، ورغم أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوعز بنقله سريعًا إلى المملكة الأردنية لتلقي العلاج هناك إلا أن قضيته تفتح الباب واسعًا أمام الحديث عن كل أسرانا وأسيراتنا الذين يتعرضون لمآسي العزل الانفرادي والإهمال الطبي في سجونهم.

يشار إلى أن الاحتلال يعتقل أكثر من 5000 فلسطينية وفلسطيني بينهم نحو 200 طفلو و 42 أسيرة ناهيك عن وجود عدد من الأسرى المصابين بأمراض مزمنة، وترفض سلطات الاحتلال الإفراج عنهم.

منصور مع والدته لحظة الإفراج عنه

منصور مع أصدقائه 

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير