عشرات الجماعات المسلحة تدعي كل منها أنها تمثل الإسلام الصحيح، تتقاتل فيما بينها من أجل السلطة والمال والنفوذ، كل منها تدعي أنها الفرقة الناجية، وأن ما عداها جماعات باغية، هذا ما حدث في الغوطة الشرقية للعاصمة السورية دمشق خلال الأيام الماضية، وشن ما يسمى "جيش الإسلام" هجمات على مواقع جبهة النصرة وفيلق الرحمن، وجرى نهب ما لديها من سلاح وإمدادات، وكتب محمد علوش رئيس الهيئة السياسية في جيش الإسلام في تويتر أنه عثر على وثيقة تؤكد أن جبهة النصرة خططت لإغتيالات وأعمال نهب وقتل، ولهذا استبق مخططها بالهجوم على مواقعها، وأعرب عن فخره بنجاح قواته في السيطرة على مخازن ذخيرة وإمدادات، قال إن خصومه سرقوها في وقت سابق من قواته.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كانت كل من الجماعات المتحاربة تحرق وتشوه وتسحل جثامين القتلى من الجماعات الأخرى، وعندما خرج المدنيون في مظاهرة تدعو إلى وقف القتال، بعد أن ضاقوا بالتخريب والقتل والدمار، جرى إطلاق النار عليهم.
هذا المشهد من الإقتتال الداخلي بين جماعات تحمل المصحف في يد وتقود سيارة مفخخة باليد الأخرى لم يكن عابرا أو طارئا، ففي شهر فبراير الماضي شنت جبهة النصرة هجمات في أدلب على لواء الإسلام وجبهة فتح الشام وعدد آخر من الجماعات المسلحة، وقتلت وأسرت وطردت وتفاخرت بانتصاراتها على باقي الجماعات المسلحة، وتتهما بأنها باغية ومنحرفة ومتآمرة، وتستبيح القتل والسبي والنهب.
تذكرنا هذه المشاهد بما حدث في أفغانستان بعد نجاح الجماعات المسلحة في دخول كابول، وسرعان ما اندلعت الحرب بين مختلف الجماعات، كل منها تدعي أحقيتها في الحكم، وتريد أن يكون أميرها "خليفة للمسلمين"، ومنذ مطلع التسعينات والمعارك لا تكاد تتوقف بين فرقاء الجماعات المسلحة، الذين قسموا البلاد، وأصبحت كل جماعة تريد إزاحة غيرها باسم الإسلام، لكن الجماعات المسلحة في سوريا تتقاتل على مناطق صغيرة ومحاصرة وليس على الإنفراد بالسلطة، وكل جماعة لها إسم ينتسب عادة إلى الإسلام وراية وأمير وجيش.
جميع هذه الجماعات المسلحة تقول إن غايتها أن تكون الحاكمية لله وليس للطواغيت، وأنها اختارت الجهاد سبيلا لإعلاء كلمة الحق، وتعمل على إسقاط الدولة التي تصفها بالجاهلية، وأنها لا تطبق شرع الله، وكل من يعيش في كنف الدولة كافر أو مرتد وجب قتله، ثم ينتهي بها الأمر إلى تكفير من لا ينتمي إلى الجماعة، باعتبارها أنها الفرقة الوحيدة الناجية من النار، وأن ما عداها من جماعات قد انحرفت، وتكون النتيجة هي انتشار عمليات القتل والإغتيال والدمار للأوطان.
لقد شهدت مصر تكاثر مثل هذه الجماعات منذ السبعينيات، وازدادت شراسة مع مشاركة الكثير من أعضائها في الحرب الأفغانية، وارتكب "العائدون من أفغانستان" مجازر وجرائم مروعة، ونشرت الفتن الطائفية والمذهبية، بعد أن تلقت المال والسلاح من قوى دولية وإقليمية، لكن الفظائع التي خلفتها جعلت شعوب المنطقة تواقة للتخلص منها، بعد أن سقطت أقنعة الدعوة إلى صحيح الدين، واحتزالها شعار "الحاكمية لله" إلى الحاكمية لأمير الجماعة، وأصبح الطريق الذي قالوا أنه يقود إلى الجنة معبدا بالمجازر.
عن (الأهرام المسائي) المصرية
























