كان يمكنُ أن تَمُرَّ زيارةُ عزمي بشارة لتونس هذه الأيام دون إسالة قطرة حبر واحدة . وهذا لو أنه كان مجرّد مثقف أو فيلسوف، حامل لمشعل التنوير والثقافة . ولكنّهُ للأسف ليس كذلك مطلقا. فإذا تفحصنا سيرة الرجل الذاتية والسياسية، والتي تبدأ من الأراضي المحتلة أين ولد. وأين تلقى تعليمهُ في المدارس الصهيونية.
وبعد أن أنهى بشارة دراسته الثانوية درس في جامعة حيفا، ثم في الجامعة العبرية في القدس، وبعد ذلك سافر إلى ألمانيا، ليكمل دراسته في جامعة هومبولت في برلين، وهناك حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1986 .
وتقلد عزمي بشارة عديد المناصب المهمة لدى الكيان الصهيوني من بينها اشتغاله في جامعة ” بير زيت” فى الضفة الغربية المحتلة، وترأس دائرة الفلسفة والعلوم السياسية في العام 1987، وفى العام 1990 انتقل للعمل في معهد فان لير في القدس المحتلة. ومنها ترشح لعضوية الكنيست الاسرائيلي سنة 1996.
وبالاطلاع على كتاب “تحت خط 48، عزمي بشارة وتخريب دور النخبة الثقافية ـ” للكاتب الفلسطيني عادل سمارة الصادرة طبعته الأولى في 2016 ، لم يبق لدي مجال للشك في خطورة الدور الذي يلعبه هذا الأخير . خاصة وأن الكاتب تجمعهُ علاقة قديمة ببشارة ويعرفه عن قرب وقد خصص له فصولا طويلة أعتقد أن أهمها يحمل عنوان ” ” فتى الموساد 2013″ .
فكيف يدعي السيد بشارة أنه قومي عربي وناصري بالاساس وهو نائب ببرلمان صهيوني ؟
هذا من جهة ومن جهة أخرى يهاجم الأنظمة القومية لفائدة قوى الرجعية في المنطقة وأقصد النظام السوري تحديدا ؟
ويمتلك عزمي بشارة علاوة على رصيده في العمالة للكيان الصهيوني والذي هو في الأصل أحد مواطنيه ونواب برلمانه والذي أدى القسم الأعظم ليحفظ “دولة اسرائيل” انقلابية غريبة في المواقف والرؤى تتغير وتتبدل وفق جغراسياسية المنطقة .
وما يعنينا هنا بالذات هي جملة الأسئلة التي جاء بشارة ليجيب عنها في تونس وغاب من يطرحها . في المقابل حضر جمع من ” المثقفين ” من بينهم وزير الثقافة التونسي السابق السيد مهدي مبروك و بعض السياسيين المختلين ايديولوجيا مثل ضيفهم. والذين يعملون لحسابهِ في تونس عبر مواقعه ( العربي الجديد مجلة وفضائية و الجزيرة نت ..) علاوة على تضامنهم مع الاخوان داخل تونس وخارجها . هذا التضامن أو الانتماء غير المعلن يجعل حسب رأيي مهمة بشارة في تجنيدهم لخدمة مشروعه سهلة .
وقد ذهب عدد كبير من “المثقفين” التونسيين من بينهم الأمين البوعزيزي ( قومي عروبي درس في ليبيا ) إلى تبرير زيارة عزمي بشارة لتونس باعتباره مثقفا وفيلسوفا ونسي أن يقول لنا أنهُ عميل صهيوني له مشروع تفكيك وتدمير دول بأسرها وهي الآن تعاني من شبه حرب أهلية ( ليبيا مثلا وهي التي درس فيها ) .
يقول سمارة في كتابه :” أعتقد أن قبول الكثير من العرب ساسة وأحزابا ومثقفين لعزمي كعضو كنيست لا يعود إلى قدرة خارقة لديه، بل يعود إلى قابلية داخلية لدى كثيرين من هؤلاء للاعتراف بالكيان الصهيوني، وهى قابلية ترتد إلى مستوى من استدخال الهزيمة أو العجز فيهم”.
وتبقى الأسئلة مطروحة منذ الزيارة الأولى لعزمي بشارة لتونس بدعوة من المنصة المرزوقي. وحضر المحاضرة عديد النواب عن حركة النهضة التي رفضت مشروع تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني بعدها مباشرة . فما الجديد الذي حملهُ بشارة معهُ الى تونس ؟ وكم مركز دراسات سيفتتح لتجنيد عقول التونسيين لخدمة أجندات خارجية ؟
ورغم ايماننا العميق في أصالة أغلب التونسيين الأحرار الرافضين لكل مشروع دخيل ، والمدافعين عن كل القضايا العادلة في الكون وعلى رأسها القضية الفلسطينية .إلا أن عشرات الأقلام المأجورة تعمل ليل نهار ومئات العقول الأخرى المعروضة للبيع وتنتظر…..
وقد رافقت زيارة بشارة لتونس احتجاجات لناشطين سياسيين تونسيين يطالبونه بالرحيل ويطالبون السلطة بالتدخل لمنعه من دمغجة العقول وتمرير مشاريعه لضرب مفهوم الدولة.
عن موقع "أنتلجنسيا" الالكتروني
























