غزة-نوى-شيرين خليفة:
مشاهد مثيرة للاستفزاز والاستهجان تلك التي تناقلها نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتعامل بقسوة مبالغ فيها مع الكثير من الأضاحي التي تم ذبحها خلال اليوم الأول لعيد الأضحى المبارك.
المثير للاستهجان هو تناقض هذه التصرفات مع تعاليم الأديان السماوية عمومًا في التعامل مع الحيوان؛ والدين الإسلامي تحديدًا الذي يتم تطبيق هذه الشعيرة الدينية امتثالًا لأوامره، فما بين تعرّض حيوانات للضرب والجر وصولًا إلى ذبحها على مرأى من بعضها البعض وأمام عيون الأطفال.
حالات
يقول الإعلامي سعيد الطويل من رفح، إنه شهد خلال اليوم الأول العديد من المناظر المستهجنة في التعامل مع الحيوانات قبل الذبح والتي تتناقض مع تعاليم ديننا الحنيف؛ مثل ربط أحد العجول بجرافة من أجل شلّ حركته وضرب آخر بعنف شديد كي يسقط على الأرض، ومشاهد الذبح الجماعي للحيوانات دون مراعاة لضرورة ألا يشاهد كل واحد ذبح الآخر.
يضيف مستهجنًا:"حدث هذا على مرأى الناس وحتى الأطفال الذين هرب غالبيتهم لكن بقي الكثير ممن واصلوا مشاهدة هذه المناظر وهم يصفقون"، لكنه يستدرك أن الكثير من الناس أيضًا استهجنوا هذه الممارسات.
أما الشاب محمد الصادق فحين ذهب لمشاهدة ذبح أضحيتهم لم يصدق ما شاهدته عيناه؛ يقول باستهجان:"نفّذ الذبّاح نصف ذبح للعجل كي يتمكن صاحب الأضحية من الإمساك بالسكين وإكمال الذبح ليأخذ صورة".
يضيف:"ما أعرفه أنه من غير الأخلاقي أن ترى الحيوانات بعضها أثناء الذبح، كانت العجول تثور عند رؤية ذبح من سبقها، كانت مشاهد مؤلمة، كدّرت عليّ سعادة هذا اليوم".

غير جائز
في مقابلة مع نوى يقول د.ماهر السوسي أستاذ الفقه المقارن في الجامعة الإسلامية إن المشاهد التي تم تداولها مستفزة وخارجة عن نصوص التشريع الإسلامي الذي يتضمن العديد من النصوص التي تأمر بعدم تعذيب الحيوان.
استدل السوسي بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :"إذا ذبح أحدكم فليحدّ شفرته"، وذلك كي لا يتعذب الحيوان، وقوله "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح"، وهو حسب السوسي ضمن تعاليم الإسلام في كيفية التعامل مع الذبح إضافة إلى عدم ذبح حيوان بوجود آخر.
يشير السوسي هنا إلى أمرين الأول حكم الذبيحة والثاني فعل الذبح نفسه، أما بالنسبة للأول فإن كان الذبح من المكان الصحيح فهي حلال وما دون ذلك لا يجوز أكلها، أما بالنسبة لسلوك الذابح فإذا كان لا يعرف الذبح فهو آثم لأنه عذّب الحيوان حتى ولو نفذ الذبح في المكان الصحيح.
يضيف إن كل فعل فيه إيذاء للحيوان آثم لأن التشريع أمر بالرحمة، مشيرًا إلى أن ما تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي لحالات حدثت فيها هذه التجاوزات ولا يعني أن الجميع فعل هذا، ولكن حتى هذا القليل غير مقبول.
مطلوب مؤهلين
لكنه استدرك أن القصة تتجاوز فعل الذبح نفسه، فهناك أضاحي ماتت قبل ذبحها بسبب التعامل معها بطريقة خاطئة مثل الربط الخاطىء والجر وإطلاق النار، فمن يتعامل مع الحيوانات يجب أن يكون مؤهلًا لذلك تحاشيًا لإيذائها أو إيذاء الناس في حال فشلوا في السيطرة عليها كما حدث في العديد من الحالات التي فرت فيها العجول وتسببت في إصابات بين المواطنين.
ورغم أن السوسي يؤكد أنه شخصيًا ضد مبدأ التقييد في أي شيء، إلا أن ما نشاهده من تجاوزات وإلقاء لمخلّفات الحيوانات المذبوحة في الشوارع يرى ضرورة أن يكون هناك نوعًا من التقييد.
يوصي السوسي بضرورة استخلاص العبر حتى لو تطلب الأمر إصدار قانون أو توجيه بأن يتم الذبح فيما بعد في مكان مخصص لذلك وليس في الأماكن العامة؛ وعلى أيدي أناس متخصصين مؤهلين للتعامل مع الحيوان وبعيدًا عن عيون الأطفال فلا داعي لأن يشاهدوا الذبح، إنما السنة أن يذبح صاحب الأضحية أضحيته وإن كان لا يعرف فليشاهدها على الأقل.

أثر سلبي
أما الأخصائية الاجتماعية زهية القرا فأعربت عن أسفها لهذه المشاهد، معتبرة أن هذه السلوكيات تندرج ضمن طقوس أصبحت كأنها اتفاق غير واعٍ بين الناس، فمجتمعاتنا هنا أخذت الطقوس الدين بعيدًا عن الآليات التي شرعها الدين.
تشرح إن وجود طقوس جماعية كالذبح في هذه الحالة يضفي جوًا من الفرح، ويقوم الناس بسلوكيات آلية كالتجمهر وهذا له معنيان الأول هو المزاج العام وحالة الهياج الجماعية أما الثاني وهو غير ظاهر على السطح لأنه يهدد الانتماء للجماعة ويؤثر نفسيًا في سلوكيات العنف وظهور الخوف عند الأطفال والعدائية.
تضيف إن الأطفال يلجأون لضرب الحيوان للتغلب على الخوف، فالحيوان لدى الطفل هو كيان مخيف ومرعب يهدد سلامتهم، فنجد العديد منهم في الشوارع يؤذون الحيوانات، حتى من يربون الحيوانات لا تنشأ علاقة إنسانية.
تكمل:"مع الوقت يتناسى الناس قواعد الطقس الديني وطريقة الذبح ومعاييرها الشرعية، ويبقى الطقس الاجتماعي، ويضاف له التوحش كسلوك، حيث يتفاعل صراخ الحيوان وخوفه مع صراخ وخوف البشر من الكبار والصغار خاصة".
عن أثر هذه المشاهد على الأطفال تؤكد القرا إن رؤية الدم والهياج الجماعي تصيب الطفل بالذعر ومنهم من يعاني من أعراض الصدمة حيث قد يرفض أكل اللحم وتحدث لديه كوابيس، ويشعر بالحيرة وتشويش الذهن، وقد تستمر المشاهد المؤلمة حتى الكبر.
رغم حرص الكثير من الناس على حضور الجميع بمن فيهم الأطفال لذبح الأضحة لكن القرا ذكّرت بأن هذا غير صحي بالعكس فإنه يزيد التوحش لدى الجميع، لأن طقس الذبح يحتاج لتفسير وشرح وتهيئة للطفل لكن ما أسمته "عرس الذبح الجماعي" يفقد الأطفال قربهم من الأهل ويعيشون لحظات الرعب والدم وموت الحيوان، في النتيجة فإن هذه الممارسات بهذه الطريقة ستساعد المجتمع على فقدران إنسانيته.
























