شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 21 يونيو 2026م18:23 بتوقيت القدس

أطفال السرطان

زهور صغيرة أذاب براءتها الوجع

27 اعسطس 2016 - 21:15
صورة أرشيفية من المستشفى
صورة أرشيفية من المستشفى
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى-منى حجازي:

صوت الأنين والوجع وتفاصيل الإعياء المحفورة في قسمات وجوه الأطفال ممن ابتلوا بالسرطان في هذا العمر المبكّر؛ كان المشهد الأكثر بروزًا في غرف مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال في مدينة غزة.

مرضٌ أكبر بكثير من أعمارهم وآلامه أشد من طاقة احتمالهم؛ اختزل حياتهم بين زوايا المشفى على سرير ضرير لا روح فيه ولا راحة، وعلى وقع جهاز النبض والمحاليل تغفو عيونهم وهي تفيض بالدموع من حرقة الدواء ومرارته؛ وعلى  قدر ما اخترقت العين من مشاهد، في هذه المستشفى؛ لن تجد صدىً للوصف.

ممنوعون

 بصوت يملؤه الحزن، عبر الطفل حمزة نصر "12عامًا" المصاب بمرض سرطان النخاع العظمي والذي أنهك جسده وحرمه التمتع بطفولته واللهو مع أقرانه.

 يقول حمزة: "أتمنى أن يشعر العالم  بنا وينظر لنا بعين الإنسانية والرأفة  فنحن لا نجد الفرصة للعلاج بالخارج ما يزيد مرضنا ووجعنا لا أريد البقاء هنا أكثر؛ المكان غير مريح والكهرباء تقطع وتؤخر علاجي؛ كثيرًا ما أصل البيت مساءًا بعد أن أقضي يوم كامل هنا".

غير بعيد عن حمزة ترقد الطفلة مريم أبو العوف "6 أعوام" على سرير المستشفى وهي تترقب قطرات محلول الكيماوي التي تتسلل عبر أنبوب بلاستيكي المشبوك بجسدها النحيل؛ فهي تعاني من سرطان الغدد الليمفاوية.

بصوت واهن متقطّع تقول مريم:" "كل يوم شعري بخف، وبتعب أكتر لأن ما سافرت على مصر لأتعالج قبل ما تبدأ المدرسة واجيب الشنطة وزي المدرسة من مصر زي ما ماما وعدتني".

بتنهيدة حارقة تستهل والدة الطفلة نور القاضي (7 سنوات)، -المصابة بورم في الرأس منذ يونيو العام الماضي- حديثها:"بعدما اكتشفنا المرض، تم تحويلنا إلى مستشفى مار يوسف في القدس، هناك استأصلوا الورم ، وطلبوا مني العودة بعد أسبوعين للمراجعة واستكمال رحلة العلاج".

تتابع الأم بحسرة: "ذهبنا للقدس بداية شهر رمضان العام الماضي، لنعود بعد شهرين بدل الأسبوعين، كان المرض قد عاد ثانية، لكن هذه المرة تم تحويلنا إلى مستشفى شنايدر في "إسرائيل" لكن الاحتلال مازال يمنعنا".

ابتلعت الأم بُرهة من الصمت لترتاح من عناء الطريق حيث أنها وصلت منذ لحظات قليلة إلى المستشفى من مدينة رفح، بعد تعب ابنتها الوحيدة، ثم تحدث عن ألمٍ ينفجر في صدرها بأن المستشفى رفضت إعادتها "لإسرائيل"، لعدم قدرة وزارة الصحة على تكاليف العلاج الباهظة.

نقص أدوية

رئيس قسم الدم والأورام في المستشفي د. محمد أبو شعبان يوضح أن مرضى السرطان يحتاجون للعديد من الأدوية؛ مضيفاً:”إن نقص بعض الأدوية نتيجة الحصار يعيق مواصلة  الرحلة العلاجية لمرضى السرطان مثل/6TG –CCNU – TEMODAl وأدوية لحالات اللوكيميا (سرطان الدم) مثل VCR وغيرهم".

يؤكد د.أبو شعبان أنّ هناك الكثير من الحالات المرضية والمحولة التي تحتاج للسفر بشكل طارئ وسريع بعد الانتهاء من مرحلة التشخيص المبدئي والحاجة الماسة للعلاج بالخارج إلا أن إغلاق المعابر يقف عائقًا أمام استكمال العلاج.

يطالب د. أبو شعبان كافة المنظمات الحقوقية والإنسانية بما فيها الصليب الأحمر والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إلى التحرك الفوري والعاجل لدعم حقوق المرضى العلاجية؛  أهمها حقهم في الحياة.

أما أخصائي الدم والأورام د.عوض الهالول فيوضح أن هذا القسم هو الوحيد في القطاع الذي يعالج الأورام في قطاع غزة، إلى جانب حالات الدم من دير البلح حتى بيت حانون.

وفيما يتعلق بسرطان الأطفال، يقول أن نسبة الأطفال لعمر أقل من 12 عام 7.9% من إجمالي مرضى السرطان في قطاع غزة، وكان متوسط الحالات الجديدة 59 حالة سنويًا، إذ أن اللوكيميا هي الأكثر انتشارًا بنسبة 31% يليها (الليمفوما) بنسبة 16.7% .

رحلة مضنية

وعن إحصائيات الحالات المصابة داخل القسم، قال الهالول: "تسجل لدينا حالات الأورام (60-70) حالة جديدة سنويًا، ويُتابع لدينا (400-450) حالة أورام داخل القسم، إضافة إلى 50 حالة دم، و78 حالة أنيميا البحر الأبيض المتوسط".

واستعرض الدكتور الهالول، رحلة العلاج التي يمر بها المريض بدءًا من وصوله للمستشفى، وتشخيصه، وإجراء الفحوصات المخبرية للتأكد من الحالة، ويتم أحيانًا القيام بفحوصات إشعاعية، مرورًا بتحويل المرضى "لإسرائيل" في أغلب الأحيان لاستكمال بعض التحاليل غير المتوفرة في قطاع غزة سواء كانت تحاليل مخبرية أو إشعاعية.

وأضاف: "صعوبة رحلة العلاج والمعاناة التي يتكبدّها المريض وذويه، من نقص العلاج الكيماوي أحيانًا، وما يصاحبه من مضاعفات شديدة، وتزداد ذروة المعاناة في التحويلة "لإسرائيل"، فهو يحتاج للانتظار، لتحديد موعد من المستشفى المحول إليه، ثم التنسيق الأمني لاجتياز المعبر.

وأوضح أن بعض الحالات  تم رفض اصطحاب المرافق، ليبتعد الطفل عن الوسط الأسري، معتبراّ ذلك تشتيتًا للأسرة له تأثيراته النفسية على الطفل المريض.

على بوابات المعابر الصمّاء تموت آمال الأطفال الذين يحلمون بالتعافي من هذا المرض اللعين، وتزداد بالمقابل آلامهم وأوجاعهم دون أن تلامس هذه الاوجاع ضمائر ما عادت تعرف للإنسانية معنى.

كاريكاتـــــير