أن تجري انتخابات محلية وبشكل دوري إلى حد ما، شيءٌ جيد وحدث مفرح في وقت شحّ فيه الفرح حتى النضوب. ويزيد الفرح أن لجنة الانتخابات المركزية قامت وتقوم بدورها على أحسن ما يكون وبشكل ديموقراطي حيادي شفاف ومهني، ولها التقدير على ذلك، وقبلها تمت انتخابات مجالس الطلبة في جامعات الضفة، شارك فيها معظم التنظيمات السياسية، إن لم نقل كلها، وكانت ناجحة ديمقراطية ومفرحة، ولم تقابل نتائجها بشكل عام بأي تشكيك أو اعتراض. هذا يطرح سؤال الانتخابات العامة بقوة وإلحاح: إنْ للمجلس التشريعي، وإنْ للمجلس الوطني، وإنْ للاتحادات النقابية والشعبية وأمثالها. ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً وحيرة أن التنظيمات السياسية شاركت كلها بانتخابات مجالس الطلبة بالضفة كما تمت الإشارة (حماس منعت الانتخابات في القطاع)، وان كل التنظيمات أعلنت عن مشاركتها في الانتخابات المحلية القادمة، بالضفة وبقطاع غزة، باستثناء حزب التحرير الذي اعلن رفضه للانتخابات ومقاطعته لها. هل صحيح أن السبب في الذهاب إلى الانتخابات المحلية والامتناع عن الانتخابات العامة هو انتفاء البعد السياسي للانتخابات المحلية واقتصارها على البعد الخدمي؟ وماذا إذن عن هذا التنافس الحامي من قبل التنظيمات السياسية والائتلافات التي تقيمها لخوض الانتخابات؟ وأن ذلك يتم على قاعدة الاتفاق أولا على الأهداف والمواقف السياسية ثم يتم الاتفاق بناءً عليها على برنامج خدمي تتقدم به لجمهور الناخبين، أي أن البرنامج الخدمي يأتي في المرتبة الثانية لاحقاً للاتفاق السياسي. إن الانتخابات المحلية في وضع مجتمعنا وظروفه القاهرة، ورغم أنها بالأساس انتخابات خدمية تتعلق باحتياجات ومطالب الناس الحياتية بالدرجة الأولى، فانه لا يمكن إلا أن يكون البعد السياسي بعدها وأساسها الأول من جهة، وإلا أن يكون التنافس بين التنظيمات السياسية في صلبها من جهة ثانية، حتى ولو ضمت إليها شخصيات عامة ذات حضور مجتمعي. والحال كذلك، فلا جواب صريحاً، منطقياً ومقنعاً عن سؤال الهروب من الانتخابات العامة. اللهم إلا إذا كان الجواب في بطن أولوية التنظيمي وبرنامجه الخاص على الوطني وبرنامجه الجامع، أو في بطن ارتباطات مع قوى وبرامج فوق وطنية. من الملاحظات على الاستعدادات الجارية للانتخابات المحلية: - الأولى، أن كلا من التنظيمين الكبيرين ( فتح وحماس) لا يدخلان في ائتلافات مع غيرهما، وبالتأكيد ليس مع بعضهما، في أي موقع وبأي شكل. هل يحصل ذلك من باب الثقة بالذات والقدرة على تحقيق النجاح دونما حاجة الى مصوتين من القوى الأُخرى؟ ام من باب نيتهم إضافة شخصيات وطنية مستقلة ذات حضور جماهيري لقوائمهم في كل او بعض المحليات؟ ام يكون من باب ان القوائم "يا دوب" تكفي لتلبية رغبات طوائف تنظميهم وأجنحته ورغباتها المصرة على الترشح، ومنعاً لظهور تجنحات وانقسامات انتخابية بين صفوفها؟ أم قبل كل ذلك وفوقه، للتذكير وتأكيد الحقيقة أن كلاً منهما هو الأول والأكبر في حدود منطقته والمقرر لوحده فيها دونما حاجة لاحد؟. أليس من الأصوب والأفيد وطنياً، وفي ظل الأوضاع المعروفة، لو تشكلت قوائم موحدة باسم منظمة التحرير في كل، أو معظم المحليات يشارك فيها كل تنظيم حسب تواجده وقوة حضوره في هذه المحلية أو تلك، إلى جانب شخصيات وطنية ذات حضور جماهيري؟ هل فات الأوان للاتفاق على ذلك، وعلى القيام به؟ - الثانية، إن الائتلافات بين التنظيمات خارج التنظيمين الكبيرين، يمكن رؤيتها من اكثر من زاوية: الأولى أنها إظهار للاتفاق السياسي فيما بينها وترجمة لهذا الاتفاق في قوائم انتخابية موحدة على أساسه. والثانية، الاستقواء بالتوحد وقائمة الكل المؤتلف على ضعف حال الواحد المنفرد، والهروب من إحراج احتمال انكشاف ضعف حجم الواحد وحضوره الجماهيري إذا ما خاض الانتخابات منفرداً وخرج بنتيجة لا تليق وربما بلا شيء. وهذان أمران مفهومان ومقبولان ولا غبار عليهما. لكن الإحراج لن يكون أقلَّ لكل مشارك في القوائم المؤتلفة لو جاءت نتائج قائمتهم الانتخابية المؤتلفة هزيلة واقل كثيراً من التوقعات والوعود. ناهيك عن احتمالات التلاوم وتقاذف تهم الضعف والتقصير والمسؤولية عن تلك النتائج بين بعضهم البعض. يلغي هذا الإحراج أو يخففه كثيراً تشكيل قوائم الائتلاف في كل محلية على أساس الصدق والمصارحة وإعطاء الأولوية لمن يمتلك افضل حضور وافضل فرص للنجاح، وليس على قاعدة التقاسم التنظيمي مهما كانت حظوظ النجاح، ويلغيه أو يخففه قيام التنظيمات المؤتلفة وأنصارها بالحشد الجماهيري المطلوب، وبمنطق وخطاب وحدوي وإيجابي، ويلغيه او يخفف منه اتفاق المؤتلفين المسبق على التعاطي مع النتائج مهما كانت بروح المسؤولية الجماعية. والملاحظة الثالثة، ان الانتخابات في الضفة تجري تحت الاحتلال وانتشار قواته وقطعان مستوطنيه في معظم مناطقها ومدنها وقراها. ولا يمكن بحال استبعاد احتمال تأثيرها في مسار العملية الانتخابية بهذه الطريقة أو تلك، وإمكانية تعطيلها في بعض المواقع. وتبقى الانتخابات عرساً جماهيرياً، بالذات إذا ما كانت نزيهة وديمقراطية والمشاركة فيها واسعة. ولتكن انتخاباتنا القادمة أعراساً تحمل الفرح، وتفتح الباب على أعراس أُخرى.
























