غزة-نوى-إسراء الشريف:
ما أن عادت الشابة لينا أبو سمرة "17عامًا" من مستشفى المطّلع بالقدس المحتلة قبل أيام قليلة؛ حتى بدأت تنهال عليها زيارات التهنئة بنجاحها في الثانوية العامة بمعدل 84% والتي أٌعلنت نتائجها منتصف الشهر الماضي.
الحقيقة أن نجاح لينا كان سيبدو عاديًا؛ لولا أننا نتحدث عن فتاة اكتشفت إصابتها بسرطان الغدة اللمفاوية مع بداية العام الدراسي في الثانوية العامة، ورغم الصدمة التي كان يمكن أن تلغي العام الدراسي بأكلمه من أولويات الشابة التي تعشق الفن؛ إلا أنها أصرّت على قهره بالنجاح بل والتفوق أيضًا.
بدايات المرض
لم يكن تشرين الأول (أكتوبر) 2015م، كبقية الشهور لدى "لينا"، فهو بداية دخولها مرحلة الثانوية العامة «التوجيهي»، وأيضًا بداية ظهور أعراض جديدة من صداعٍ والتهاب حاد في الأنف والأذن، فلم تستطع التركيز ولم تحتمل الألم.

"بعد مرحلة طويلة من التشخيص والتحاليل تنقلت فيها بين مستشفيات وأطباء قطاع غزة؛ دامت أكثر من 5 أشهر، كثرت فيها التشخيصات الخاطئة، تم تشخيصي في فبراير 2016 بأنني مصابة بأشرس أمراض العصر، سرطان الغدة اللمفاوية"، هكذا تحدثت لينا لنوى وهي تحكي قصتها مع مرض السرطان.
قطعت الشابة دائمة الابتسام حديثها وهي تسلّم على ضيوف حضروا لتهنئتها بسلامة العودة من مستشفى المطّلع بعد انتهاء جلسات العلاج الكيماوي وأيضًا التهنئة بالنجاح، ثم عادت لتكمل حكايتها مع السرطان :"رغم شراسة المرض، لكنني وجدتها فرصة لزيارة مدينة القدس المحتلة المحّرمة علينا في قطاع غزة".
إذن تؤكد لينا أنها قررت مواجهة المرض وعدم الهروب منه، بل وأنها ستمارس هواياتها التي برعت فيها منذ الصغر، فالموسيقى والدبكة الشعبية بقيتا ملازمتين لها طوال هذه المدة، بل وجدت فيهما غذاء لروحها التي ما أرادت لها الاستسلام تحت أي ظرف.

العلاج معاناة أخرى بدأتها "لينا" في الحصول على تحويلة للعلاج بالخارج، والتي تأخر صدورها لأكثر من شهر، حتى سمح بالعلاج لها مستشفى المطلع بالقدس، أيام صعبة وصفتها قائلة: "بعد تشخيصي تم تحديد (26 جلسة علاج بالإشعاع و12 جلسة بالكيماوي)، كنت أخاف ذكر الأرقام فهي ليست بحجم الألم الذي عايشه جسدي، خسرت 13 كيلو من وزني خلال أسبوع، ونحَل شعري، وحُرق جِلدي، كنت أقاوم فقط بجرعات الأمل التي كانت تعطيني إياها أمي وإخوتي يومياً".
بعد كل هذا؛ بات من المفروض على لينا التي تعشق العزف والموسيقى؛ أن تكرس جلّ وقها لتلقي العلاج، بانتظار الوقت الذي تتمكن فيه من العودة لممارسة كل هذه الهوايات؛ لكنها مع ذلك كانت تسعى وبشكل دائم للاستمتاع بوقتها بالطريقة التي تحبها.
تبتسم وتكمل:"مع كل هذا حوّلت مرضي لرحلة استجمام، حققت حلمي في زيارة المسجد الأقصى الذي طالما تمنيت رؤيته؛ وأصبح لدي أصدقاء ومعارف هناك، كنت اتغلب على أوجاعي بجمال بلادي، فهي حقًا هدية من الله لي".

الدراسة والطموح
أوجاع المرض حرمت "لينا" من التزامها بالحصص الدراسية رغم أن مرحلة الثانوية العامة مهمة في تحديد مصيرها؛ لكن والدتها كانت مصرة على أن تكمل "لينا" الدراسة، فوفرت لها جميع مستلزماتها الدراسية، لأنها مؤمنةً بتفوق "لينا".
تقول لينا: "كنت أعلم أني لن أستطيع إكمال دراستي؛ لكن دموع أمي كانت دائما حافزًا، قلت لنفسي سأنجح من أجل أمي، كنت اتشجع بوجود صديقاتي.. كنت أسرق بعض الوقت خلال أوقات الجرعات بالدراسة".
تكمل:"كنت أقدم امتحاناتي النهائية داخل المستشفى، أجيب الأسئلة وأنا أخضع لجرعة الكيماوي، كنت أجيب باليد اليمنى والكيماوي باليد اليسرى".
أثناء استراحة العلاج .. أصرت والدة "لينا" على اصطحاب حلويات النجاح من غزة الى القدس قبل نتائج الثانوية العامة (توجيهي)، لتوزّعها في (القدس) أثناء النتائج، لأنها كانت على ثقة بنجاح "لينا".
وفي 11 تموز/ يوليو .. جاءت ثمرة التحدي .. تلقت "لينا" نتيجتها في الثانوية العامة بمعدل 84%، وهي في آخر جرعة كيماوي لها، كان يومًا مميزًا بعد شهور من المعاناة، خاصة بعد أن أخبرها الأطباء بأن وضع لينا الطبي تحسّن؛ فالورم بدأ يتقلص".
غياب لينا عن بيتها عن إعلان النتائج، لم يمنع الفرحة من بيتهم، لكن الفرحة أيضًا امتدت إلى مؤسسات وجمعيات مدينة القدس حينما وصلهم خبر تفوق "لينا".
نجاح "لينا" جعلها تصر على الحياة أكثر، لتقرر الدراسة الجامعية في تخصص "انجليزي فرنسي"، وهي متحمسة لتنهي آخر جلساتها الإشعاعية لتكمل هذا الحلم، ولتنقل معركتها مع المرض بكل اللغات إلى كل العالم.
لينا تستطيع الآن العودة للعزف والدبكة كما أرادت، لكنها توجه نصيحة للمرضى والاصحاء :"من تجربتى مع المرض أحب أن أوجه رسالتي لكل مريض "سرطان"؛ قل عن نفسك أنك محارب ولست مريض، واجعل المحنة منحة، وجازفوا لتكملوا مشوار أحلامكم، أما رسالتي للناس عامة: لقد جربت المرض وعلمت أن الصحة نعمة كبيرة فاستمتعوا بالحياة وقدروا قيمتها الحياة، ولا تتركوا المشاكل تقتل الحياة في نفوسكم".






























