شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 24 يونيو 2026م01:37 بتوقيت القدس

الفخار،،،تراث يجاهد من أجل البقاء

24 يوليو 2016 - 23:33
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى:

بخفة وحرفية عالية تتنقل أنامل سيد عطا الله على قوالب الطين ليشكّل منه فخارًا يحكي عبق مهنة الفخار التراثية التي ما زالت تجاهد في قطاع غزة من أجل البقاء وسط الصناعات الحديثة التي حلّت محل الفخاريات في كل شيء تقريبًا.

بسرعة يحمل سيد قالب الطين ويضعه فوق الدولاب "ماكينة تدور بشكل مستمر" ومن ثم يقوم بتمليس الطين بالماء بيديه ويدخل يده وسط القالب ليصنع تجويفًا بإصبعه يبدأ بتوسيعه شيئًا فشئيًا ليشكّل بذلك القالب الذي يريد وصولًا إلى النهاية، وفي مدة لا تتجاوز ربع ساعة نكون قد حصلنا على "قدرة" فخارية.

تصنيع الفخار

في الطرف الجنوبي لحي الفواخير وسط مدينة غزة، يقع مصنع السيد صبري عطا الله، أقدم مصنع فخار في مدينة غزة حاليًا، يعود تاريخ تأسيسه إلى العام 1960م، ليكون أحد أربع مصانع ما زالت تعمل بعد أن كانت حتى ثمانينيات القرن الماضي نحو 40 مصنعًا.

في مقابلة مع نوى يقول الحاج صبري عطا الله "أبو أيمن" صاحب المصنع، إن الفخار كان قديمًا يستخدم لتخزين المياه والزيت والطبخ والزيتون والخبز وغيرها، ولكن حاليًا حلّت محله الصواني البلاستيكية وحتى الزجاجية.

أما كيفية صناعة الفخار فيقول:"نحصل على الطين من المناطق الشرقية لقطاع غزة في الصيف فقط، ونقوم بتنشيفه أمام المصنع، ثم نضعه في بركة مياه، ينزل فيها أحد الشبان ويقوم بتذويب الطين وغربلته، حتى يصبح صافيًا تمامًا".

بعد ذلك يتم نقل الطين المذوّب إلى بركة أوسع حيث العمل على تجفيفه قليلًا ومن ثم وضعه في "عجّانة" الطين ليخرج على هيئة قوالب طين جاهزة للتشكيل حسب شرح أبو أيمن، وهنا يتسلّم الحرفيون القوالب من أجل تصنيعها بيديهم.

يقول أبو أيمن:"يضع المعلّم قالب الطين على الدولاب الذي يدور بشكل دائم ويبدأ بتمليسه بالمياه وخلال هذه العملية يقوم بتشكل القوالب حسب ما يريد"، ينتج الحرفيون من هذه القوالب القِدر التي تستخدم في طبخ الأرز على البخار، والزبادي التي يتم طبخ الجمبري بداخلها، وأباريق المياه وقواوير الزرع والفخارات التي تستخدم للزينة وغيرها من المصنوعات.

وراثة

يعمل في مصنع أبو أيمن أبناءه جميعًا، يقول ابنه أبو صبري وهو أحد محترفي صناعة الزبديات:"جدي هو من أنشأ المصنع وعمل معه حينها أبناءه التسعة، وتوارثنا المهنة أبًا عن جد".

عن إتقانه لعمله يضحك أبو صبري:"أضع القالب على الدولاب لأنتج قوالب الزبادي فتخرج كلها بنفس الحجم والشكل، هذا أمر تعودت عليه بحكم المدة الطويلة في العمل، والأمر بالخبرة".

تزيد مساحة مصنع عطا الله عن ثلاثة دونمات، في ركن قصّي منه تقع بركة مياه تستخدم لتوذيب الطين، وإلى جوارها بركة أرضية من أجل فرد الطين وتنشيفه بعد التذويب، وإلى جوار العجّانة عشرات القوالب الجاهزة للتصنيع والمغطاة بالنايلون كي لا تجفّ بفعل حرارة الجو العالية.

عودة إلى سيد عطا الله الذي يواصل عمله في تصنيع القِدر، والذي يقول أن قوالب الطين ليس من الصعب التحكّم فيها، فإضافة القليل من المياه يكفي لأن تصبح سهلة في اللمس والتشكيل، لكن عملية التشكيل ذاتها تحتاج إلى فن ومهارة.

برفق يضع الشاب سامر المظلوم الفخاريات التي يتم تشكيلها على قوالب خشبية وينقلها إلى الطابق العلوي للمصنع، حيث يتم رصها إلى جوار بعضها البعض وتعريضها للهواء كي تجف، يقول سامر:"يتم وضع الفخار هنا ما بين يومين إلى ثلاثة حتى تتخلص من المياه فتصبح جافة تمامًا، بعد ذلك يتم نقلها إلى التنور".

التنور

أما تنور النار الذي توضع فيه الفخاريات فهو عبارة عن غرفة علوية مرتفعة الحرارة، فتح فوهة الفرن لا ترى منه إلا الدخان والبركان الملتهب، داخل التنور الذي تم إيقاده ليومين تصل درجة الحرارة حتى 800 درجة مئوية، يتم وضع الفخار فيها ما بين ثلاثة أيام إلى خمسة، حتى يصبح حجريًا تمامًا ويخرج جاهزًا للاستخدام.

يقول المظلوم:"نضع الجفت – ما يتبقى من الزيتون بعد عصره- والخشب من أجل إبقاء النيران ملتبهة، ويجب أن تصل إلى 800 درجة مئوية حتى يجف الفخار تمامًا ويكون جاهزًا للاستخدام".

من يدخل هذه الغرفة شديدة الحرارة لا يمكن إلا وأن يصاب فورًا بالعطس الشديد والدوار، هنا يقول المظلوم:"ونحن هنا نشرب ما يعادل 7 لتر من المياه لتعويض العطس، لكن في شهر رمضان، لا نعمل على التنور".

على جانب من المصنع تتكوّم مئات الفخاريات التي تكسرت أثناء وجودها في الفرن، عن سبب التكسير يقول أبو صبري عطا الله:"أحيانًا تكون درجة حرارة الفرن مرتفعة أكثر من اللازم، وأحيانًا تكون هناك تشققات في الفخارة أثناء التصنيع وهذا يؤدي إلى تكسّرها".

الفخاريات التي تتعرض لأخطاء أثناء التشكيل يتم إعادة عجنها وتشكيلها ولكن بالنسبة لتلك التي دخلت الفرن وتحوّلت إلى أحجار فهذا غير ممكن، ولكن ما هو مصيرها.

يقول أبو صبري:"كلا لا تذهب إلى لا شيء، أحيانًا تطلبها وزارة السياحة لأنها بعد التكسير تصبح صالحة للترميم، وكذلك يتم استخدامها في صنع سمسم القصارة وتضاف إلى مواد البناء".

أن تتواجد في مصنع للفخار يعني أن تطلع عن كثبت على مهنة تراثية عرفها أجدادنا منذ القرن التاسع قبل الميلاد، نتيجة لحاجة الإنسان الطبيعية لحفظ الطعام والمياه معتمدة على الطين المحروق وتطورت عبر العصور، وحين تسير وسط مئات الفخاريات التي يواجه منتجوها صعوبة في بيعها يعني أن هذه المهنة بالفعل ما زالت تكافح من أجل البقاء.

كاريكاتـــــير