شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 اعسطس 2026م15:43 بتوقيت القدس

درويش يحضر في ذكراه

11 اعسطس 2014 - 14:29
د. حسن مدن
شبكة نوى، فلسطينيات:

أعرف من بين أصدقائي الفلسطينيين من يكتفون بتذييل المقطوعات التي يختارونها من نصوص محمود درويش، لإعادة نشرها بإسم:"درويشنا"، وهم لايفعلون ذلك من باب الثقة، بأن هذا المسمى كافٍ ليعرف القارىء أن المقصود هو محمود درويش، وإنما أساساً من باب الفخر بأن فلسطين أعطت شاعراً عملاقاً بوزنه.

ومحمود درويش ليس هبة فلسطين إلى نفسها فحسب، وإنما إلى العرب أجمعين، والى الإنسانية كلها، ليس بصفته ضميراً للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية فحسب، وإنما لكونه شاعراً كونياً، يحتل حيزاً مضيئاً في ذاكرة الشعر العالمي بآفاقه الإنسانية الرحبة، وفي انحيازاته لقيم التسامح والحرية ونبذ الاضطهاد والعسف.

نعرف محمود درويش منذ نشيد الفتى الخائف المسكون بالحنين إلى خبز الأم وقهوتها ولمستها، إلى ملحمة الكهل الستيني الذي خبر الدنيا مأخوذاً بوصية الأم المدوية: "انطلق كالمهر في الدنيا، وكن من أنت حين تكون، وإحمل عبء قلبك وحده.. وارجع إذا اتسعت بلادك للبلاد وغيرت أحوالها".

عاد درويش إلى تراب فلسطين قبل أن تغير أحوالها، ولكنه لم يعد إلى مسقط رأسه "البروة" التي دمرها المحتلون لحظة تأسيس كيانهم، كما فعلوا مع قرى فلسطينية عديدة في الشطر الفلسطيني الذي صرنا نعرفه باسم أراضي1948، ومصير البروة يكاد يوجز المأساة الفلسطينية، التي كان محمود درويش شاعر ملحمتها، هو الذي طمح إلى أن يكون مشروعه الشعري هو تحويل قضيه شعبه ملحمة مكتوبة شعراً.

ولأن البروة غابت، ولأن الجليل نأت عنه، فان تلة في رام الله إحتضنت ثراه، هوالذي أقلق الاحتلال في حياته، حين ألف أن يكون مُجاوراً للمحتل منذ أن كان في حيفا، يدخل من السجن ليعود إليه، ومنذ أن رأى الجنود الصهاينة يتجولون في رأس بيروت حين اجتاحوها في صيف1982، فانه اختار أن يجاور المحتلين في مماته، في مجازٍ بليغ بأن الفلسطيني باقٍ في أرضه، فيما الاحتلال إلى زوال، ككل العابرين في كلامٍ عابر.

منذ يومين مرت ذكرى رحيل درويش، فيما دماء أهله وأهلنا في غزة ما زالت تنزف، والحصار حولهم محكم، كأن قدر الفلسطيني أن يكون وحيداً، منذ "أحمد الزعتر": (كنت وحدي ثم وحدي، آه يا وحدي)، ويهتف الشاعر في وجوهنا بالحقيقة المرة، نحن الذين أديرت أيدينا إلى ما وراء ظهورنا ثم أوثقت بحبال: "وحيدون، وحيدون نحن حتى الثمالة، لولا زيارات قوس قزح".

كاتب من البحرين

كاريكاتـــــير