بقلم/ د. جميل مجدي
باحث في الشؤون الفلسطينية
توقفت الأنفاس طيلة أسبوع كامل هو عمر أزمة "الرواتب"، وهي أول وأحدث أشكال الانقسام الوطني الذي ودعناه في الشاطئ بابتسامات مطمئنة ومصافحات حارة، لكن واقع هذا الأسبوع برهن على أن القلوب ما تزال "عامرة" بأحقاد ومرتبكة بمشاعر ومترددة تجاه مسلكيات، عشنا الانقسام بكل حذافيره وإن كانت الحكومة واحدة والخطاب الواحد والنقاش جماعي، وتذكرنا جميعاً التأويلات والمستدركات والمناكفات التي سبقت وقوع الانقسام البغيض.
الإشكالية التي نشأت مؤخراً ليست نتيجة لتفسيرات مختلفة حول اتفاق القاهرة أو حوارات الشاطئ، بل تكمن في الاتفاق نفسه الذي لم يتضمن بنوداً واضحة تعالج ملف الموظفين في حكومة غزه في الفترة الممتدة ما بين بداية تشكيل حكومة الوفاق وانتهاء اللجنة الإدارية والمالية من عملها، وهي فترة تصل إلى نحو أربعة أشهر.
وقعت حماس في خطأ طلبها أو "موافقتها" بأن تبقي المنظومة الأمنية في غزة في ظل حكومة الوفاق الوطني هي نفس المنظومة التي شكلتها أثناء حكمها لغزة، ويكمن الخطأ في الحفاظ على "كوتة" أمنية تتحمل مسؤولية معالجة الأوضاع الأمنية الصعبة سواء أكان ذلك لحماية التهدئة مع الاحتلال أو منع واعتقال أي فلسطيني من سكان غزة في حال عودته إلى بيته، بمعنى أدق أن هذه المؤسسة ستعمل كوكيل أمني لحماية الحدود مع إسرائيل ووكيل أمني لصالح طرف فتحاوي على حساب طرف فتحاوي آخر.
الخطأ الآخر الذي وقعت فيه حركة حماس يتمثل في مطالبتها أو "قبولها" بتقليص صلاحيات وزير الداخلية، وعدم تدخله في الشق الأمني، وحصر صلاحياته في القضايا المدنية، فانتقاص صلاحيات وزير الداخلية يعني الانتقاص من دور الحكومة في أداء عملها على أكمل وجه، فمن يوافق على تقليص صلاحيات وزير لا يحق له مطالبة الحكومة القيام بكل التزاماتها.
لتجاوز الأزمة الحالية، ينبغي إعادة النقاش حول دور وزارة الداخلية، وتحديداً في غزة، ومنح الصلاحيات كاملة لوزير الداخلية، الذي يتعين عليه أن يمتلك رؤية واضحة وبرنامج عمل واضح يمكنه من دمج المنتسبين للأجهزة الأمنية في منظومة أمنية واحدة ترضي طرفي المصالحة، وتعزز مفهوم "الأمن الجماعي" للفلسطينيين، وتفرض هيبة القانون، وتبسط سلطان الدولة على أراضيها، إن وجود وزير داخلية بصلاحيات كاملة يساهم في تسريع تشكيل اللجان المهنية الإدارية والفنية والانتهاء من "الكوتة" الأمنية لهذا الطرف أو ذاك.
لا يضير حماس تطبيق اللوائح والمعايير المنصوص عليها في قانون الخدمة في قوي الأمن، فإذا تم خفض رتب عسكرية أو رتب وظيفية مدنية، فالتخفيضات وفق قواعد القانون والمعايير ليس خسارة أو هزيمة، الانتصار هنا هو "الأمان الوظيفي" للجميع، وعدم إعادة أي موظف إلى بيته دون عمل.
من المهم جداً عدم تدخل حماس بأي شكل من الأشكال في عمل حكومة الوفاق الوطني، وترك المنتسبين للحكومة يدافعوا عن حقوقهم من خلال اللوائح والقوانين والنقابات، واستدراكاً يتوجب تخلي الناطقين باسم الحكومة السابقة والناطقين باسم وزارة الداخلية عن مهماتهم، والطلب من رئيس الوزراء ووزير الداخلية تعيين ناطقين جدد حتى يشعر المواطن بالتغيير ولو كان بسيطاً.
رسالة الموظفين في حكومة غزة وصلت، وباتت علي سلم أولويات الحياة السياسية الفلسطينية، لذا فإن المبالغة في إغلاق البنوك والصدام بين الموظفين على أبواب البنوك، والاعتداءات على المواطنين يعطي صورة سلبية عن نوايا حماس وصورتها أمام الجمهور الفلسطيني المتضرر من هذا الاحتجاج المبالغ فيه، فهناك وسائل احتجاج قانونية ومشروعة للموظفين يمكن اللجوء لها دون الصدام بين موظفي الحكومتين، أي بين فتح وحماس من جديد .
























