غزة:
في الرابع والعشرين من آب/ أغسطس الجاري، وصلت السيدة هبة أبو نادي ابنة مخيم المغازي وسط قطاع غزة، إلى مستشفى المقاصد بمدينة القدس لإجراء عملية جراحية لابنتها، وهناك اكتشفوا أنها مصابة بـ "كورونا".
مع إعلان وزارة الصحة في اليوم ذاته "هبة" كأول مصابةٍ بالفايروس من خارج مراكز الحجر الصحي التي يُستضاف فيها كافة القادمين إلى قطاع غزة مدة 21 يومًا، واكتشاف إصابة أربعة من أفراد عائلتها داخل المخيم، بدأ بعض المواطنين بِرسمِ التكهنات حول الدائرة التي انتشر في إطارها المرض، بعد أن وجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي، حبل غسيلٍ مُتاح لنشر تحليلاتهم العشوائية، بهدف جمع التعليقات وزيادة عدد "اللايكات".
وبمجرد فرض حظر التجول في كافة محافظات القطاع المحاصر منذ حوالي 14 عامًا، توالى ظهور الحالات الجديدة، حتى وصل عدد الإصابات إلى 25 في غضون يومين، توفي من بينها اثنان كانا يعانيان أمراضًا خطرة، قبل أن يُعلن عن 14 آخرين هذا المساء، تبعهم أربعين آخرين.
وبعيدًا عن كل التكهنات التي طافت صفحات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، "فإن العلم لا يستند إلا للأدلة" وفق خبير الأوبئة الفلسطيني البروفيسور يحيى عابد.
عابد:غيّر عدد الإصابات المتتابعة في غزة وجهة التعامل كليًا، وأصبحت الحقيقة تقترب من فرضية أن "الحالة أخذت العدوى داخل القطاع
فبعد التواصل مع الأطباء في مستشفى المقاصد لمناقشة احتمال أن تكون السيدة أصيبت هناك، أو خلال الطريق إلى المشفى، غيّر عدد الإصابات المتتابعة في غزة وجهة التعامل كليًا، وأصبحت الحقيقة تقترب من فرضية أن "الحالة أخذت العدوى داخل القطاع".
ورغم حجر كل العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح جنوبًا، وحاجز بيت حانون شمالًا بلا استثناء، طوال الشهور السبعة الماضية، إلا أن حقيقة كيف دخل الفايروس"؟ تبقى مجهولة، "ورغم سلامة الإجراءات الوقائية، إلا أن إغلاق كافة الثغرات يعدُّ أمرًا صعبًا في حين أن الفايروس يمكن أن يختبئ في بضاعةٍ قادمة إلى غزة مثلًا" يقول عابد.
هذا السيناريو (الانتشار خارج الحجر الصحي)، كان واحدًا من التوقعات التي رسمها خبير الأوبئة ضمن ورقة سبق وقدمها بهذا الخصوص، خلال ورشة عمل عقدها مركز "مسارات" خلال آيار/ مايو الماضي.
يضيف: "عدد الإصابات في غزة، هو في إطار الانتشار الطبيعي للفايروس، ومع ظهور الحالات الأولى تم إجراء فحوصات لألف حالة من المرضى والأطباء، وخرج من بينهم الحالات المذكورة، بما يعادل 2.5%، نحن في المرحلة الأولى للفيروس وكل ما أتمناه ألا يزداد العدد".
ويشير عابد إلى محدودية الإمكانيات الطبية المتوفرة في قطاع غزة، وتوفر أدوات تكفي لشهر "يمكن أن تُستنفذ في غضون 15 يومًا، لذا هناك مطالبات مستمرة بدعم القطاع الصحي، لأننا نتحدث عن وباء".
عابد:منظمة الصحة العالمية بصدد إدخال 10 أجهزة تنفس حديثة، ستصل إلى المستشفى الأوروبي
ووفقًا لبيانات وزارة الصحة فإن ما يتوفر في قطاع غزة، هو 60 جهاز تنفس صناعي فقط، وهنا يعقّب عابد بقوله: "الليلة كنا في اجتماعٍ حول هذا الخصوص، وأبشُّركم بأن منظمة الصحة العالمية بصدد إدخال 10 أجهزة تنفس حديثة، ستصل إلى المستشفى الأوروبي إضافة إلى 40 جهاز في الطريق إلى القطاع".
دور المواطن/ـة مهم (والقول لعابد) فليس من سبيل للحماية سوى التباعد الاجتماعي بنوعيه: الإجباري الذي تفرضه الحكومة "وهنا لا بد من توفير مقومات لبقاء الناس في بيوتهم"، والاختياري الذي يقوم به المواطن نفسه، "بالتزام البيت، والتباعد، والنظافة الشخصية"، داعيًا الإعلام إلى ضرورة إطلاق حملات التوعية التفصيلية بشرط الابتعاد عن الترهيب والتخويف.
بدوره، الناطق باسم وزارة الصحة بغزة د.أشرف القدرة، مرتاحًا إزاء الجهود التي بذلتها الوزارة التي تعيش حالة من العوز الطبي منذ 14 عامًا بسبب الحصار الإسرائيلي، وسياسة تضييق الخناق الممنهج، طوال الأشهر الماضية، "حيث استثمرت كل ما لديها من إمكانيات بشرية وطبية في تقديم الخدمات، ومواجهة الفايروس حتى تم اكتشاف الحالات" يقول.
القدرة:الأمر ما زال تحت السيطرة، والإصابات محدودة، ويمكن للطواقم الطبية التعامل معها
وبالنسبة للوزارة –تبعًا للقدرة- فالأمر ما زال تحت السيطرة، والإصابات محدودة، ويمكن للطواقم الطبية التعامل معها، مؤكدًا على أهمية وعي المواطن في المساعدة بعبور الأزمة.
ويضيف: "منذ اللحظة الأولى لانتشار الوباء في العالم، كنا على يقين بأنه سيصل غزة بأي طريقة، وقد أنجزنا إنجازًا عظيمًا حين أخرنا وصوله طوال تلك المدة، من خلال تطوير جهوزية قطاع الصحة، وتدريب الطواقم الطبية ومراكمة الخبرة"، مبينًا أن الخطة معدة منذ وقت، وأن كشف الحالات لم يشكّل مفاجأة.
"لكن القطاع الصحي ما زال بحاجة إلى الدعم الشديد" يستدرك القدرة، متابعًا: "نحتاج 59 مليون دولار لمواجهة الأزمة، وما وصل خلال الفترات الماضية من مساعدات لا تكفي للاستجابة الكاملة، أمام أي تطورات للجائحة".
القدرة:الآن بتنا بحاجة إلى مسحات للفحص بين أفراد المجتمع، وهذا يعني أننا بحاجة إلى عدد كبير من المسحات المخبرية
ويوضح د.القدرة، أن المختبر المركزي في وزارة الصحة، يجري يوميًا ما بين 200 إلى 1500 فحصًا، وقد كان الفحص قبل ذلك مقصورًا على المستضافين في مراكز الحجر الصحي من العائدين إلى قطاع غزة، ولكن والقول له "الآن بتنا بحاجة إلى مسحات للفحص بين أفراد المجتمع، وهذا يعني أننا بحاجة إلى عدد كبير من المسحات المخبرية وتعزيز أرصدة المختبر المركزي والطب الوقائي".
ويؤكد القدرة تواصل الوزارة مع كل الشركاء وعلى رأسهم منظمة الصحة العالمية، لوضعها في صورة احتياجات القطاع، وإرسال قائمة بالاحتياجات لوزارة الصحة في رام الله، مردفًا بالقول: "موضوع حظر التجول المفروض على القطاع، يتم تقييمه دوريًا وفقًا لحالة التقصي الوبائي، ومن الضروري أن يلتزم الناس من أجل كسر حلقات الوباء".
وكان مركز الميزان لحقوق الإنسان، أصدر يوم أمس بيانًا حذّر فيه من خطورة الأوضاع الصحية في قطاع غزة، بالتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي إلى نحو 20 ساعة يوميًا، ومباغتة كورونا للقطاع المحاصر، الذي يعيش فيه حوالي مليوني إنسان، حالةً من العوز الشديد بسبب الحصار الإسرائيلي الممتد لأكثر من عقد.
وأورد البيان، أن الفحوصات المخبرية لفايروس "كورونا" مستنفذة ومحدودة، وأن القطاع الصحي يواجه عجزًا في الأدوية بنسبة (45%)، وفي المستلزمات الطبية بنسبة (31%)، ونقصًا بنسبة (65%) في لوازم المختبرات وبنوك الدم.
بدوره، قال الناطق باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، عدنان أبو حسنة: "إن لدى الوكالة خطة للتعامل مع الجائحة، إذ تم الإعلان عن الخطوط الساخنة للتعامل مع المرضى الذين يتلقون خدمات الرعاية الأولية، من أجل توصيل الأدوية إليهم أثناء الحجر، بالإضافة إلى تواصل خدمات أقسام الولادة، والعمليات القيصرية".
أبو حسنة: درست الوكالة توسيع خدماتها باتجاه المواطنين من غير اللاجئين بالتنسيق مع وزارة الصحة
وأضاف: "درست الوكالة توسيع خدماتها باتجاه المواطنين من غير اللاجئين بالتنسيق مع وزارة الصحة، وكذلك سيتم خلال الأيام المقبلة تقييم كيف سيتم مواصلة العملية التعليمية وفقًا للتطورات؟ ووضع سيناريوهات ما بين دوام جزئي أو تعليم إلكتروني، استنادًا إلى نجاح التجربة بشكل جيد في فترة الحجر السابقة".
وبخصوص المساعدات تابع بقوله: "الوكالة ستعمل خلال الأيام المقبلة على توزيع طرودٍ غذائية تشمل الفئات المسجلة لديها، التي تتلقى طرودًا من الأونروا بشكل مستمر، وتوصيلها إلى المستفيدين المعتمدين لديها بشكلٍ مباشر".
