شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 26 يونيو 2019م22:40 بتوقيت القدس

غزيات يلجأن للعمالة المنزلية بحثاً عن لقمة العيش

21 مايو 2019 - 07:06
صورة تعبيرية
مها شهوان
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

لم يعد غريباً أن تستوقفك إحدى السيدات في الأماكن العامة بمدينة غزة، بحثا عن لقمة عيش، أو أن تعطي إحداهن رقم هاتفها المحمول لسيدة أخرى بحيث إذا احتاجت المساعدة في أعمال المنزل تتواصل معها مقابل مبلغ تسد فيه رمق عائلتها، بعد أن كانت مهنة العمل كخادمة في البيوت مستبعدة ومستغربة في قطاع غزة الذي يحاصره الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2006.

أمام أحد المتاجر الكبيرة وسط مدينة غزة، تقف امرأة وهي تخفي وجهها وبمجرد خروج سيدة تحمل أكياساً؛ تسرع إليها لتعرض عليها العمل كـ "مساعدة" في بيتها لعدة ساعات يومياً مقابل 50 شيكلاً (13$).

لدى اقترابنا من السيدة؛ بادرت هي بالسؤال إن كنت بحاجة لها في تنظيف البيت أو الجلوس لدى سيدة مريضة تقوم برعايتها، فهي كانت تعمل "آذنة" في إحدى الشركات التي أُغلقت، مما اضطرها للبحث عن عمل يمكّنها من إعالة أبنائها الأربعة الذين تركهم زوجها وهرب خارج القطاع بعدما ثقلت عليه الديون وأصبحت الشرطة تطارده.

تقول: "لولا الحاجة ما مددت يدي (..) لا أريد انتظار الصدقات من أهل الخير، أبحث عن عمل أستطيع القيام به لكن دون علم أبنائي على الرغم من أن "الشغل ليس عيباً".

والحقيقة إن مهنة العمل في المنازل لم تكن منتشرة في قطاع غزة، لكنها بدأت في التوسّع بشكل تدريجي نتيجة حالة الفقر الشديد التي يعانيها القطاع، والتي بلغت نسبتها نحو 74%، بينما ارتفعت نسبة البطالة وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى 52%.

وحول بحثها بهذه الطريقة عن عمل ردت: "لا أتقن أي حرفة، وليس لديّ شهادة علمية، حاولت كثيراً طرق أبواب البيوت لكن الناس تخشى دخول شخص لا تعرف هويته، لذا قررت البحث في الشارع لعلّي أجد من تقبلني".

وأشارت السيدة إلى أنها عملت في بعض البيوت لكن بمواسم معينة مثل شهر رمضان والأعياد، ولديها زبائنها لكن الطلب ليس كما السابق نظراً لضيق حال الكثير من العائلات، لاسيما من يعمل أزواجهن كموظفين لدى السلطة الفلسطينية.

وفي الآونة الأخيرة، ومع الظروف الاقتصادية الصعبة أصبحت المرأة الفلسطينية في قطاع غزة تخوض مجالات لم تكن تتوقع يوماً أنها ستمارسها نظراً لطبيعة المجتمع الغزي المحافظ، فأصبحت تعمل بعض النساء في خدمة البيوت لكن بسرية تامة دون أن يعرف أحد من المحيطين بها عدا شخص أو اثنين من أفراد عائلتها، وغالباً يعملن في بيوت بعيدة عن مكان سكناهم مقابل أجور زهيدة لا تتعدى الـ 15 دولاراً يوميا ولمدة 12 ساعة وأكثر.

التقت "نوى" إحدى العاملات في المنازل وهي الأربعينية "رجاء" – أم طاهر- بداية الحديث رفضت التحدث عن تجربتها، لكنها عدلت عن رأيها لتقول: "شغلي مش عيب"، مشيرة إلى أنها اضطرت للعمل منذ أربع سنوات حين ضاق الحال بزوجها، فبدأت تبحث عن عمل دون فائدة رغم حصولها على شهادة البكالوريوس في التمريض.

وتكمل حديثها:" حصلت على عملي حين كنت أساعد إحدى المريضات التي عرضت المجيء لبيتها من أجل رعايتها، ترددت لكن وافقت بدلاً من انتظار المساعدات الاغاثية (..) أصبحت تلك السيدة ترسلني إلى معارفها لكن دون علم أحد من أقاربي، ودوماً كنت أسال عن العائلة التي سأذهب لخدمتها خشية أن تكون سيئة السمعة أو يعرفون أحد من عائلتي".

وحول مدى رضاها عن الراتب الذي تتقاضاه توضح أنه بالكاد يستر أسرتها، لكن لا يوجد بديل فيكفيهم لجلب الاحتياجات الأساسية، مشيرة إلى أنها لا تستطيع طلب مبلغ أكثر فهي في حال عدم رغبتها فيه يمكن لسيدة المنزل أن تجلب أخرى بدلاً منها.

وهنا فتاة عشرينية تدعى "دينا ع" لم تكمل دراستها الجامعية وتعيش في منطقة نائية شرق قطاع غزة، تخرج يومياً إلى غرب المدينة لتنظيف البيوت وتتلقى يومياً 10 دولارات، فعملها لا يقتصر على التنظيف فقط بل مساعدة بعض السيدات الكبار في السن عند العناية بأنفسهن.

تحكي لـ "نوى" أنها في احدى المرات شاهدت أحد معارفها في زيارة للبيت الذي تعمل فيه، فسرعان ما اختفت عن الأنظار وطلبت من صاحبة البيت عدم مناداتها حتى يذهب، واصفة ذلك اليوم بالمرعب فهي لا تريد أحد يعلم بمهنتها التي يعتبرها الكثير من الناس في المجتمع الغزي "عيب"، فدوما تخبر معارفها حين سؤالهم عن عملها أنها تعمل في مصنع للخياطة.

وفي سؤال حول تعرضها لأي نوع من الابتزاز أجابت سريعاً:" في حال شعرت بوجود نظرات مريبة داخل البيت الذي أعمل انسحب فورا ولا أعود له مجددا، ومرات قليلة تكاد لا تذكر حصل ذلك".

حالات فردية

بدوره يقول نائب مدير عام التفتيش في وزارة العمل شادي حلس:" وفق قرار رقم 2 لسنة 2013 بشأن "الخدم" في المنازل الذي ينظم العمل بين صاحبه و"الخدم"، فإنه على الخادم الإقامة داخل الأسرة أو غير مقيم، ويبلغ السن القانوني 18 عاماً، ولا بد من وجود عقد بين الطرفين ويأخذ كل منهما نسخة عنه ويكون نسخة أخرى مع وزارة العمل في حال كان العمل بشكل رسمي".

وأضاف حلس لـ "نوى" العمل في المنازل ليس ظاهرة بل حالات فردية غير منظمة، مما ساهم في عدم وجود بيانات لدى وزارة العمل حولهن"، مرجعاً ذلك إلى أن غالبية من يعملن في المنازل بسرية بسبب ثقافة المجتمع الغزي الذي ينظر إلى هذه المهنة بـ "المهانة" رغم أنها من المهن المحترمة.

وأكد مدير عام التفتيش وحماية العمل، أن الظروف الاقتصادية الصعبة أدت إلى ظهور مهن جديدة لم تكن موجودة في السابق، كالخدمة في المنازل، مشيراً إلى أن الوزارة جاهزة لاستقبال أي شكوى من قبل العاملات في هذه المهنة وجلب حقوقهن.

ولفت حلس إلى أنه في حال وُجدت شكوى من قبل الخدم تفيد تعرضهم للانتهاكات من أصحاب العمل، تتخذ وزارة العمل الإجراءات اللازمة لحل المشكلة، لكن في حال وُجدت مخالفات أو تعرّض الخدم لابتزاز من قبل صاحب العمل يتم تحويل القضية إلى النيابة.

ووفق مركز الاحصاء الفلسطيني لعام 2018؛ ما تزال النساء الفلسطينيات تنحصر في المهن التقليدية، فأكثر من نصفهن يعملن كفنّيات ومتخصصات ومساعدات وكاتبات وحوالي 6 %يعملن في الخدمات والباعة في الأسواق، بينما الزراعة حازت على 4,16 %منهن.

وبموجب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2018، بلغت نسبة نساء غزة المشاركات في سوق العمل (ممن هن فوق 15 عامًا) 29.4%، ونسبة البطالة في أوساطهن وصلت إلى 74.6%. وفي أوساط الشابات في شريحة الأجيال 15-29 عامًا، فقد بلغت نسبة البطالة 88.1%.

وحصل ارتفاع في نسبة النساء اللواتي يعتبرن المعيلات الرئيسيات لعائلاتهن، من نسبة 7% خلال عام 2007 إلى 9.4% اليوم، ويعود سبب هذا الارتفاع إلى العدوان المتكرر والحروب المستمرة على قطاع غزة، التي أدت إلى استشهاد الآلاف من الناس حتى وصلت نسبة النساء الأرامل 4.5% (ما قبل مسيرات العودة).

وهناك عدة أسباب أوجدت مهن جديدة في قطاع غزة منها الوضع الاجتماعي، الأزمة الاقتصادية الخانقة، نتيجة الصراعات السياسية وخاصة الحصار الذي يفرضه الاحتلال على قطاع غزة، فتلك العوامل تؤثر بشكل مباشر وعميق على حياة النساء.

كما ويوجد العديد من النساء يضطررن إلى العمل في مهن غير مجال تخصصهن كون إمكانية الحصول على عمل خارج غزة هي مهمة صعبة.

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير