شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 19 مايو 2019م09:12 بتوقيت القدس

مخيم يبنا.. قصة لجوء

15 مايو 2019 - 09:34
صورة حديثة لمخيم يبنا
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

رفح:

يطل مخيم يبنا للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة على الحدود الفلسطينية المصرية كأحد الشواهد الرئيسية على أننا شعب لا يغفر ولا ينسى، فالمخيم وعبر 71 عاماً يحتفظ باسم البلدة التي هاجر منها سكانه، تبلغ مساحته900 دونماً، وعدد سكانه وفق الإحصائية الأحدث يقارب 75700 نسمة.

ينتمي سكان مخيم يبنا بالسواد الأعظم إلى عائلات هاجرت من قرية يبنا قضاء الرملة عام 1948 إبان النكبة التي سيطرت خلالها عصابات يهودية على غالبية مساحة فلسطين التاريخية، فعام 1945 بلغ عدد سكانها 6287 نسمة إلى جانب 1500 بدوي أقاموا حولها، وقد حرصوا منذ بداية اللجوء على البقاء متقاربين أملًا في العودة سويًا ذات يوم، طالت الغيبة وطال معها الانتظار وبقي المخيم شاهدًا على جريمة الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفه قوى الظلم في هذا العالم الذين سهلوا للعصابات اليهودية إرهابها.

قصة يبنا

ما أن تطأ أقدامك أرض المخيم بإمكانك معرفة إن كان فيه فرحًا أو عزاء، فالناس ما زالوا يحتفظوا بعادات التواصل، ولا يمكنك أن تتوه عن بيت، فكل الناس تعرف بعضها، حتى وإن لم يكن من سكان الحارة ذاتها، بيوت المخيم ما زالت كما أنشأتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ضيقة صغيرة.

في مقابلة مع نوى تقول المسنّة أم يوسف المغاري "76عامً":"عند الهجرة كان عمري خمسة سنوات، هربنا من شدة القذائف و "قيازين النار" التي كانوا يلقوها علينا –تقصد براميل متفجرة- هربنا على بيت لاهيا وجباليا، الكل كان يهاجر ولا أحد يدري أين نذهب، حتى وصلنا إلى رفح، وكان معنا آلاف المهاجرين من كل البلدات".

عن نشأة المخيم تقول إن الناس أقاموا في مناطق واسعة بعيدة عن ضربات العصابات اليهودية، تعرّفوا على بعض بعد أن بدأ المختار بالبحث عن العائلات، كان المختار حينها هو نعيم الهمص، جمع العائلات اليبناوية وأقاموا في مكان واحد، حتى تم توزيع خيام عليهم، كل عائلة سكنت في المكان الذي حددته منظمة الكويكرز، أما أهالي يبنا فالغالبية منهم أقاموا في نفس المكان.

تؤكد أم يوسف أن المختار أراد بذلك أن يكون الناس متقاربين حتى يعودوا سويًا، وعندما بدأت وكالة الغوث ببناء بيوت المخيمات، اختاروا أيضًا البناء بنفس المكان، حتى يكونوا متجاورين لأن الناس كانت تعرف بعضها من أيام البلاد.

تتحدث أم يوسف عن الأوضاع الإنسانية السيئة في مخيم يبنا منذ نشأته، وحاله كحال باقي المخيمات من فقر شديد وسوء رعاية، فالبيوت صغيرة جدًا لا تكاد تكفي عدد الأفراد، لكن من ناحية معنوية بقي الناس يرفعون معنويات بعضهم، فتسمية المخيم باسم البلدة الأصلية بالنسبة لهم يعني أنهم لن ينسوا وأن الأمل في العودة موجود.

لم يكن في المخيم مدرسة، ولا مرافق باستثناء وحدة صحية تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين أونروا، بمرور الوقت كان من يتعلم يحصل على وظيفة، أما البقية فبحثوا عن مصادر رزق مختلفة، فالعودة أصبحت حلمًا بعيدًا بعد نكسة حزيران عام 1967 رغم إيمان الناس بحقهم.

تكمل أم يوسف بأن المخيم عانى كثيرًا خلال الانتفاضة الأولى، فالاحتلال كان يتصرف مع أهالي المخيم باعتباره كارهًا تسميته "يبنا"، كان الاسم نكدًا على الاحتلال كما ترى أم يوسف، وتضيف: "لطالما دخلوا بيوت ناس وكسروا أبناءهم دون سبب".

أما في انتفاضة الأقصى فقد أعاد الاحتلال الكرّة من جديد باستهداف المخيم، وقد تعرضت الكثير من بيوته للقصف خاصة باعتباره يقع على الحدود، تكمل: "مع ذلك عاد الناس وبنوا بيوتهم في نفس المكان داخل المخيم أيضًا".

تؤكد أم يوسف: "حتى الصغار هنا يعرفون أن أجدادهم هاجروا تعذبوا وماذا مر بحياتهم من قسوة، وأن تسمية يبنا جاءت تأكيدًا على حق العودة"، يدرك أطفال المخيم هذا ويعرفون أننا سنعود، فالسيدة السبعينية تؤكد إن عمها استشهد عام 1948، وأنه لولا الأخبار التي وصلتهم من قرية دير ياسين وقتل الناس في بيوتهم لما هاجر أحد.

زارت أم يوسف بلدة يبنا قبل 18 عامًا، وتعرفت على الطريق العام وقهوة عائلة زوجها، تكمل: "حين رأيت المشهد تذكرت كل شيء وكأنه حلم، كأن لنكبة حدثت بالأمس، هناك أشياء ما زالت كما هي".

نكبة

أما الحاجة زكية الطويل 100 عامًا، والتي ما زالت تحتفظ بذاكرة جيدة رغم كبر سنها، فتتحدث عن يبنا أيام البلاد وطيبة أهلها وتسامحهم، وتضيف: "حكمونا الانجليز وحكمونا الاتراك قبلهم، الإنجليز دعموا اليهود وأحضروهم إلى فلسطين".

تكمل الطويل: "يبنا كان يحيط بها مخيم للاجئين البولنديين اسمه "كامب البولنيه" كانت مخيماتهم حلوة، ولكن رجعوا بعد الحرب –تقصد العالمية الأولى-".

كان الناس في يبنا كما تقول الطويل يمضون معظم وقتهم في الحصيدة، بلد هادئ ولكن كان فيها ثوار، استشهد عمي واستشهد الكثير من الناس الذي نعرفهم".

أما زوجة ابنها أم علي فتقول: "مخيم يبنا هنا ورث عن قرية يبنا الكثير من العادات والتقاليد، وتقارُب الناس جعل هذه العادات كما هي غالبًا، المخيم كان في الانتفاضة الأولى اسمه مخيم الشرارة، وبقي الشباب على حالهم، وحتى في الانتفاضة الثانية، ما زال يقدم الشهداء والمناضلين".

بدوره يقول الحاج أحمد نعيم الهمص مختار يبنا وابن المختار الأسبق نعيم الهمص الذي سعى للحفاظ على المخيم، أن غالبية السكان فيه من بلدة يبنا وحتى العائلات الأخرى أصبح ينطبق عليها أعراف وعادات أهل يبنا التي توارثوها جيلاً بعد جيل.

يكمل: "نفتخر بأن توارثنا الشهامة والتسامح وأننا ثوار، وأهلنا خلفوا لنا هذا الإرث، أردنا من خلال الحافظ على اسم المخيم ربطه ببلدتنا الأصلية قضاء الرملة التي هاجر منها الأجداد عام 1948".

أسس أهل يبنا جمعية باسم جمعية أهالي يبنا تسعى للحفاظ على كل ما هو تاريخي فيما يخص البلدة، وإحياء المناسبات الرسمية كي لا ننسى أن لنا أرضًا محتلة، يؤكد المختار أن هذا الجهد هو جزء من إبقاء الذاكرة حية وأن مخيم يبنا هو واحد من مخيمات يحكي كل منها قصة لجوء ونكبة وشعب يصرّ على العودة مهما طال الزمن، وما تمسية المخيم بهذا الاسم ألا للتأكيد على هذا الحق.

صور قديمة لبلدة يبنا

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير