شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 19 مايو 2019م09:10 بتوقيت القدس

لم يحالفهم الحظ

فلسطينيون هاجروا: إنا من غزة وإنا إليها لعائدون

13 مايو 2019 - 06:51
ابتسام مهدي
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

"لو وجدت بديل من عمل جيد وحياة مستقرة ونجاح في المشاريع التي عملنا على إنشائها في تركيا لتحملنا حنين الوطن والاشتياق للأهل والأقارب"، بهذه الكلمات استهلت الشابة سماح عمر حديثها عن اضطرارها للعودة إلى قطاع غزة عقب غربة لثلاث سنوات في تركيا.

وتحكي سماح (30 عاماً) لـ"نوى" إنها اضطرت وزوجها إلى اصطحاب ابنتهم والسفر إلى تركيا رغبة في تأسيس حياة أفضل من واقع قطاع غزة الذي يحاصره الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2006، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر والبطالة إلى معدلات قياسية فاقت 52%.

وتضيف: "ليس من السهل إيجاد عمل في تركيا، وإذا وجدت فهو عمل صعب ولساعات طويلة دون عائد مادي جيد، وأغلب من يعيش في هذه البلد من الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة بشكل خاص يعيشون وضع مأساوي، والكثير منهم يعيش على الطرقات فأسعار الإيجار ليست في متناول الجميع".

بعد ثلاث سنوات عادت سماح إلى منزلها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة هي وزوجها وابنتها؛ لتؤكد أنها بمجرد دخول معبر رفح شعرت بالطمأنينة والارتياح، فأقل شيء بنظرها أنها تعيش في شقتها ولا تدفع إيجاراً لأحد، كذلك تجد في غزة من يمكنها أن تعتمد عليه في ترك ابنتها، وإذا تعرضت لمكروه هنا الكثير ممن يقف بجانبها ويدعمها ويساندها .

عاد زوج سماح  للعمل في محل الملابس الذي كان يعمل به، كما عاد معها في نفس اليوم أخيها والذي عانى دون جدوى في البحث عن فرصة عمل إذ كان يعيش في بيتها في تركيا.

وتجد سماح أن الكثير ممن يسكن في تركيا يتمني العودة لغزة، لكنها توضح:" يخافون من شماتة الآخرين أو أن ينعتهم أحد بالفاشل، وهذا يجعلهم يتقبلون أي واقع مرير في الغربة ولا يعودون للوطن".

وتتمني سماح أن يكون هناك استيعاب لمن يعود إلى غزة بعد تجربة الهجرة، وأن يجدوا الدعم والمساندة من قبل الأهل والأصدقاء، فما عاشوه لم يكن سهلاً، وأنهت حديثها:" إذا لم يكن السفر لعملٍ متفق عليه مسبقاً أو لدراسة مخطط لها؛ فهو مضيعة للوقت وإصابة بفيروس الهجرة الذي لا معنى له سوى تغيير الجو النفسي، أما باقي الحجج فهي هراء وشعارات فارغة، فالنماذج التي سبقت كافية للوصول لهكذا قناعات".

غربة واشتياق

"مهما تعيش بالغربة، يمرّ عليك في كل ثانية حنين للوطن، مهما كانت المميزات والارتياح ستشعر بالغربة"، هكذا وصف السيد أبو أحمد المدهون حديثه عن تجربة الغربة ثم العودة إلى قطاع غزة.

المدهون عاش (7 سنوات) في النرويج وعاد إلى غزة رغم نجاحه في عمله، وأضاف:" لم نستطع إكمال حياتنا في الغربة، يكفي أنك تحنّ للوطن رغم كل ما فيه من مساوئ، كذلك جَمعة الأهل والأحباب لها طعم خاص في غزة تشدك لها، والأهم سماع صوت الأذان والالتزام الديني كل هذا أجبرني على العودة".

ورغم أن المدهون ترك في الغربة اثنين من أبنائه يكملون الدراسة بعد حصولهم على الجنسية، إلا أنه لا يفكر نهائيًا بهجرة الوطن والعودة للغربة رغم أنه ترك ورائه أصدقاء كانوا سندًا له، كما أن مديره في العمل أخبره أن مكانه موجود متى قرر الرجوع للنرويج . 

ولا ينسى من تركهم خلفه،:" لديّ أصدقاء وقفوا بجانبي كثيرًا في الغربة، أتمنى أن أزورهم وأن أطمئن عليهم في أقرب فرصة ولكن ليس الهجرة وترك الوطن، فنار الوطن جنة مقارنة بالغربة التي تأخذ منك أكثر مما تعطيك ".

ويستغرب المدهون اندهاش الكثيرون من عودته إلى قطاع غزة رغم نجاحه في الخارج، ونوه إلى أن ليس كل من يعود لغزة هو فاشل ولم ينجح في إيجاد العمل أو أن يتعلم اللغة بل أن هناك "شيء يشدك بقوة للوطن ويجعلك تترك كل نجاحاتك من أجله"، وفق قوله .

الوطن أرحم

محمود سالم والذي قرر أن يطلق هذا الاسم على نفسه دون تبرير السبب، قال عن تجربته:" وصلت في الغربة لدرجة عدم القدرة على تحمل الوضع، كل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى غزة وإلى عائلتي، تجربة الهجرة كانت مريرة ولا أنصح أي أحد بخوضها، فالأمور ليست سهلة مثلما كنا نتصورها ".

وأكد أن الموت كان يحيط به في كل خطوه يخطوها من هجرته لتركيا ومن ثم إلى اليونان عن طريق البحر، وكيف تعامل معه المهربون، فقد كانوا يعتبرونهم بضاعة أثناء الحديث عنهم، كما تم رميهم في البحر وقد شاهد صديقة يغرق واختفى ولم يستطيع أن ينقذه.

وتابع: "حتى اليوم لم أستطع أن أخبر أهل صديقي بأنه غرق، فأنا دائمًا أخبرهم أنني لم أره خلال رحلتي، رغم ذلك تابعت مشوار الهجرة ولكن لم أستطع أن أكمل فقد تم معاملتنا بأسوأ طرق من قبل الجميع حتى وصلت لألمانيا عن طريق الغلط".

تم وضع سالم (26 عاماً ) في معسكر إيواء اللاجئين بمدينة هانوفر الألمانية، ورغم أن السلطات الألمانية أمنت لهم راتبًا شهريًا ب 300 يورو ووفرت لهم مدارس لتعلم اللغة الألمانية من أجل الاندماج والحصول على شهادة قبل النظر في إمكانية منحهم الإقامة، إلا أنه لم يتأقلم مع هذا الوضع الجديد وأصبح يعيش حالة من اليأس والإحباط والندم.

هذا الواقع جعله يعود إلى غزة، فكمّ الضغوطات التي مر بها تسببت في الكثير من الضغوطات النفسية والجسدية، كذلك سالم يعتبر من النابغين في التعامل مع برامج الكمبيوتر وهو لم يفكر أبدًا أن يصبح رقمًا إضافيًا في سجلات اللاجئين بل هاجر ليصنع حلمه ويبني مستقبله.

ويضيف: "صحيح أنني كنت من المحظوظين مقارنه بغيري من المهاجرين، ولكن لم أستطع أن أكمل فعدت لغزة لأبني مستقبلي والذي كان من الممكن أن يكون مشرقًا في غزة رغم الصعوبات".

حالياً سالم يعمل في أحد الشركات العالمية في الدنمارك عبر الانترنت، فقد أثبت نجاحه في تطوير برنامج لهذه الشركة، وهو يعمل بصمت وعلى وشك أن يبدأ حياة جديدة مع شريكة عمره، ويأمل أن يتحسن الوضع وتحاول القيادة في غزة وفلسطين أن تحمي كرامة وحياة هذا الشعب.

   

 

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير