شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 19 مايو 2019م08:27 بتوقيت القدس

الحاج فايق يكافح للحفاظ على مهنة "الساعاتي"

11 مايو 2019 - 21:30
ميسون البطش
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

وأنت تسير في أزقة وحارات غزّة القديمة، يأسرك محلٌ صغيرٌ زاد عمره عن 80 عامًا، بابه خشبي ملوّن بالأخضر، يتوفر فيه مقعد مصنوع من القش، وبعض الساعات التي تشبه المعلقات الأثرية، معالم حاكت تراث مهنة قديمة.

على باب ذلك المحل المخصص لصيانة الساعات، يجلس الحاج فايق، أمام طاولة خشبية تجثو عليها ساعات قديمة متناثرة، وبعض أجزاء من أخرى مهترئة، وقليل من الأدوات البدائية (مفك، ولاقط، عدسة مكبرة).

الحاج فايق نصر عمره (64 عامًا)، قضى أكثر من نصفها في مهنة تصليح الساعات، مهنة أخذها عن والده الذي عمل فيها قبل أن يهاجر بسبب الاحتلال الإسرائيلي من مدينته يافا.

كان الحاج فايق مبحرًا بساعة يد حديدية على ما يبدو أنّها ليست من عصرنا، كانت تتميز الساعة بقِدمِها وجمال الخطوط الذهبية التي تعلو عقاربها، بعدسة مكبرة استطاع أن يرى أدق تفاصيلها وصمت لبرهة من الوقت حتى يكتشف العطل، ومن ثم جعلها تعود للحياة من جديد بسماع نبض عقاربها.

الحاج فايق ينزل العدسة المكبرة عن عينه ويقول: "هذه المهنة تعلمتها عن والدي، فمنذ طفولتي وأنا أعرف أنّ والدي يعمل بمهنة تصليح الساعات التي أخذها عن جدي منذ عام 1934".

ويضيف: "أجد متعة كبيرة بتصليح الساعة التي تتطلب تركيزًا عاليًا وبراعة، خاصة إذا كانت الساعة من الماركات النادرة أو من التي يصعب على الكثير من المصلحين اكتشاف أعطالها وإصلاحها".

ومهنة الساعاتي ليست بالمهنة العادية أو السهلة، إنّها تتطلب دقةً وتركيزاً عاليين، لمعرفة مكمن العطل وإصلاحه. "اليوم مع الأسف كل من يبدل بطارية ساعة يطلق على نفسه لقب ساعاتي"، الحاج فايق يفسر.

يستكمل الحاج فايق: "رغم قدم هذه المهنة فإنّها أصبحت غير مجدية ماديًّا، بسبب التطور التكنولوجي، بالإضافة لظهور بعض التقنيات والأجهزة الحديثة كالهاتف النقال وغيره، الأمر الذي جعل الإقبال ضعيفًا على شراء الساعات بوجود تلك البدائل التكنولوجية".

ولم يكن التطور التكنولوجي هو السبب الوحيد في تراجع الإقبال على مهنة الساعاتي، ولكن الوضع الاقتصادي الذي يعاني منه سكان قطاع غزّة هو أحد أبرز الأسباب الرئيسة في التراجع، كما قال.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن سكان قطاع غزّة يعانون من تدهور في القطاع الاقتصادي منذ منتصف عام 2007 بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض عليه، وصولًا لمرحلة قطع رواتب الموظفين وخصومات تزيد نسبتها عن 70% طالت رواتب آخرين.

وباختلاف الواقع عن الماضي يتابع فايق: "أغلب الأشخاص يتعاملون مع الساعات على أنّها إكسسوارات رخيصة الثمن، فأصبح الإقبال على شراء الساعات ذات الصنع الصيني بشكل كبير، ويسهل الاستغناء عنها عندما ما تتوقف عن العمل".

ويبين الحاج فايق أن الناس سابقًا كانت تعتني بماركات الساعات، فكان ارتداء الساعة يشير إلى رقي الشخص، وكانت الساعة تمثل هديّة ثمينة.

في سابق الزمان كان الاعتماد على معرفة الوقت بالساعة الشمعية، حيث يقومون بإشعال الشمعة الواحدة تلو الأخرى، ومع انطفاء كل شمعة تنقضي ساعة من الزمن.

ويوضح الحاج فايق أنّه مع تطور الزمن ظهرت عدّة أنواع من الساعات منها: المائيّة، الساعة الزيتيّة، الرقميّة، وأخيرًا ظهرت الساعة الإلكترونيّة التي تعدّ الأكثر انتشارًا بين الزبائن؛ لخفة وزنها وسهولة التعامل معها.

ظهور الساعات الذكية المتصلة بشبكة الإنترنت ورخص ثمنها، سيجعل الوضع أكثر تعقيدًا بالنسبة لهؤلاء الصناع ذوي الخبرة، الذين باحت لهم ساعات الجيب والساعات الحائطية بكل أسرارها، فما عاد الإقبال على شراء الساعات التقليدية مرغوبًا به.

ولم يعد العمل بإصلاح الساعات يستهوي الكثيرين، وأعداد الشباب المهتمين أو المجددين لهذه المهنة في تناقص مستمر سنة تلو الأخرى؛ فباتت أعداد الساعاتيين معدودة على الأصابع، الأمر الذي يهدّد باختفاء المهنة، وهذا ما  يتخوف منه الحاج فايق.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير