شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 19 مايو 2019م09:07 بتوقيت القدس

رمضان وذكريات عدوان 2014.. هذه قصّتنا

07 مايو 2019 - 07:42
مرح الوادية
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

في تمّوز / يوليو من العام 2014، شنّت إسرائيل عدوانها الأعنف على قطاع غزّة فيما عرف بعملية "الجرف الصامد". تحوّلت غزّة إلى ساحة خراب طاحن، كنّا في الأسبوع الثاني من شهر رمضان.

تماماً، هي الأجواء ذاتها التي تمرّ على قطاع غزّة اليوم، بعد خمس سنوات من انقضاء عدوان 2014، في أية لحظة يمكن أن يأتي القتلة، في أية لحظة يمكن أن يستهدفونا بصاروخ حربي أو قذيفة مدفعية تبعثر أجسادنا، هذا تماماً ما تفعله إسرائيل بنا.

على وقع أصوات القصف والدمار وسيارات الإسعاف والدفاع المدني، كانت ليلة السحور الأولى للفلسطينيين في غزّة، لم يحتاج النّاس إلى تذكير منبّه الجوال ولا إقامة الأذان الأول لإنذارهم بالسحور، كلّه وفره الاحتلال عليهم بإمطار سماء القطاع بالصّواريخ ورجّ أرضها التي امتلأت بدماء 27 شهيداً ثمّ دفنتهم بقلبها محتضنة أسرارهم، أسرار باحوا فيها للأحياء الموتى من ظلّوا فوقها يتنفسّون، وأخرى كان يمكن أن يخبرونا عنها لولا مباغتة الصواريخ لهم.

ربّما سبّب هذا الوضع إرباك غير اعتيادي لدى الناس بالنسبة إلى "رمضان والعدوان" بخلاف أيام التصعيد العادية في الأشهر الأخرى، منذ خمس سنوات بات رمضان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصطلح الذي نكره "الحرب" بل هذا المصطلح الذي يقتل! ففي كلّ رمضان بعد عام 2014 يتبادل الناس الأحاديث مازحين "بس ما تقوم الحرب بهالرمضان!" المزح الذي يحمل في ثناياه تخوّفات مرعبة وقاهرة ومريرة، يتبعونها بـ "الله لا يعيدها من أيام".

يمرّ شريط أحداث رمضان العام 2014، تجتمع العائلات في العادة مرّتين على السحور وعلى الفطور، إلا في ذلك العام حيث العدوان ومحاصرة الناس في منازلهم، اجتماع قسري، يواسون بعضهم ويترقبون إما الموت بصاروخ طائرة وإما الموت بقذيفة مدفعية، حيث لا خيار ثالث أمامنا.

على السحور وعلى الفطور أيضاً، جميعنا يحمل هاتفته النقال، نترقّب الأخبار ونتبادلها وبابا الذي يحاول إخفاء مشاعره في كلّ ضربة قوية ومحاولاتنا الهرب بين جدران المنزل يكرّر سؤلاه مبتسماً ولون وجهه أصفر من الخوف "فش أخبار عن التهدئة؟" حتى نجيب معاً بصوت واحد "لا".

المشهد نفسه يتكرّر يومياً، كنّا نفطر أحياناً بساحة في منزلنا، نشاهد السّماء الملغّمة بالطائرات ونشم رائحة البارود، نحاول تجاوز الأزمة، نأكل ملعقة من الطعام وأعيننا تتربّص شاشات الهاتف وآذاننا صوب سماعات المذياع في آن، يا ترى سيعلنون التهدئة؟ هل سننجو بأنفسنا؟ هل سينتهي العدوان قبل العيد؟ أسئلة ضربها المذياع مراراً عند بثّه خبر قصف منزل على رؤوس ساكنيه في منطقة الزيتون شرق غزّة، أو في خانيونس ورفح ووسط القطاع ليتغير سؤالنا "هل سيأتي الدور علينا؟".

"صينية الكفتة بالطحينة" كانت هذه الطبخة الأحب إلى قلبي حتى يوم الثالث عشر من العدوان على غزّة في العام 2014، كانت الأخيرة التي أفطرنا عليها بعد صيام 16 ساعة عن الطعام والشراب والنوم والراحة، إنه اليوم الأكثر دموية، في ليلتها تحديداً وقعت مجزرة الشجاعية.

اشتدّ القصف المدفعيّ أكثر فأكثر، وكنّا ننتظر الموت. انتظرت سقوط قذيفةٍ لأتخيّل المشهد المرعب الذي سيعرض على التلفاز. لم نعد نشعر بغير الموت يومها، وإن كنّا نتنفّس. أبتسم تارة وأعبس أخرى، بينما تمرّ الذكريات أمامي، لكل زاوية في بيتنا ذكرى، أمّا اليوم فأصبح قبرنا.. مع وقف التّنفيذ.

ظننّا أنّ الأمور ستهدأ مع بزوغ شمس الصباح، لذا رفضنا الخروج من المنزل. تصاعدت الأمور تصاعداً غير متوقع، أجبرت من حولنا على ترك منازلهم. أخلي شارعنا تماماً، ولم يبق به غيرنا. سقطت قذيفة على منزلٍ في الشارع المجاور، فقتل من فيه. لم يستطع أحدٌ الوصول إلى هناك، لا سيارات إسعاف، ولا دفاع مدنيّ، ولا حتى الصليب الأحمر.

أُجبرنا على الخروج تحت ضغط الأقارب. لم نحمل سوى أوراقنا الثبوتيّة، وقليل من المال، مع هواتفنا النقّالة. خرجنا من المنزل، منتظرين الموت في كلّ لحظة. الشوارع خالية، باستثناء بعض النازحين والمصوّرين والمسعفين. فيما كان الجرحى يراقبوننا بينما ينتظرون الموت.

وصلنا إلى منزل جدّي في حي الرمال وسط مدينة غزّة، فاجعة ثانية، أكثر من 15 أسرة من أقاربهم لجأت إلى ذات المنزل فلا مأوى للنّاس غيره، عددنا كان لا يقل عن 150 شخصاً. لم تكف الأغطية ولا الفراش لسدّ الحاجة. اضطررنا النوم على البلاط، كنّا صائمين باستثناء الأطفال. لم تكف الأطعمة بالطبع، حتى بدأت الجمعيات الخيرية بالبحث عن العائلات النّازحة ومدّها بـ "الكوبونات الإغاثية" لوجبتي السحور والفطور.

ومنذ ذلك العدوان، أكاد لا أطيق سماع اسم "صينية الكفتة بالطحينة" ولا أحتمل أن يرتطم الباب بصوت قوي، ولا صوت طائرة تمرّ مجرّد مرور من فوق مدينتنا خاصّة في شهر رمضان، ما بالنا مع تصعيد اليوم من قبل إسرائيل؟. يا ربّاه، إنه الجحيم آت لا محال.. هذه قصّتنا.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير