شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 19 مايو 2019م09:11 بتوقيت القدس

توزيع المهام بين واشنطن وتل أبيب

23 إبريل 2019 - 07:04
محمد سعيد إدريس
شبكة نوى، فلسطينيات:

تكشف حالة الإرباك المتعمدة التى تقوم بها الإدارة الأمريكية هذه الأيام بخصوص مشروع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام المعروفة إعلامياً باسم «صفقة القرن»، عن عملية توزيع أدوار بين هذه الإدارة وحكومة الكيان الصهيونى، بحيث تكون مسئولية هذه الحكومة متركزة على التمدد والتوسع وفرض النفوذ الفعلى على معظم أنحاء الضفة الغربية المحتلة باعتبار أن المرحلة الحالية من المشروع الصهيونى الأكبر المعروف بـ «إسرائيل التوراتية» التى تمتد من الفرات إلى النيل هو فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على كل الأرض الفلسطينية من نهر الأردن إلى البحر المتوسط مع استثناء قطاع غزة من هذه المعادلة. أما مسئولية الإدارة الأمريكية فتتركز على أمرين؛ أولهما فرض قبول العرب استيلاء إسرائيل على كل أراضى الضفة الغربية، وفرض قبولهم التخلى نهائياً عن مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذى تأسست عليه مبادرة السلام العربية عام 2002 ومشروع «حل الدولتين» الذى يعنى إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وأن تكون عاصمتها هى القدس الشرقية، وفرض قبولهم البديل الأمريكى المعروض فى خطة ترامب وهو «الحكم الذاتى» لفلسطينيى الضفة الغربية، أى إنهاء أى وجود لسيادة فلسطينية فى الضفة الغربية وأن يعيش الفلسطينيون كرعايا داخل الدولة الإسرائيلية، أما الدور الثانى الذى تتولى مسئوليته الإدارة الأمريكية فى هذه الخطة فهو توفير الظروف الاقتصادية الملائمة للفلسطينيين سواء فى الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال عطايا عربية وتبرعات بالمليارات لإرضاء الفلسطينيين وإقناعهم بالتخلى عن وطنهم. هذه الكارثة يصفها مسئولون فى فريق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكى والمسئول عن تنفيذ صفقة ترامب بأنها «خطة عادلة وواقعية وقابلة للتطبيق وستمكن الناس من عيش حياة أفضل». لا يكتفون بذلك لكنهم أخذوا يجاهرون بأنهم اتخذوا «مقاربة غير تقليدية تقوم على عدم الاختباء من الواقع، ولكن بدلاً من ذلك لجأنا إلى المصارحة»، وتأكيداً لذلك بدأ الأمريكيون والإسرائيليون فى تنسيق السياسات والمواقف لتهيئة الظروف لقبول الخطة الأمريكية ومواجهة أى ردود فعل سلبية تعوق فرضها على الفلسطينيين والعرب، التزاماً بالمبدأ الذى أقره الرئيس الأمريكى بفرض السيادة الإسرائيلية على كل أرض تمت السيطرة عليها إسرائيلياً بالقوة، أى مبدأ «ما أخذ بالقوة تفرض عليه السيادة»، ابتداءً من ضم القدس بقوة الأمر الواقع وضم الجولان بقوة الأمر الواقع أيضاً والآن جاء الدور على الضفة الغربية لضمها بالقوة. من أبرز تلك الإجراءات الأمريكية- الإسرائيلية ما تم الاتفاق عليه فى الاجتماع السنوى لـ «مجموعة مكافحة الإرهاب» المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل الذى بدأ أعماله يوم الثلاثاء الماضى (16/4/2019). الإفصاح عن انعقاد هذا الاجتماع جاء عبر بيان أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية وصف هذا الاجتماع بأنه «أطول حوار إستراتيجى تجريه وزارة الخارجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب وأنه سيناقش التهديدات المشتركة التى تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل بما فى ذلك من إيران و«حزب الله» اللبنانى ووضع إستراتيجيات لتعزيز التعاون فى هذه المجالات الحاسمة».

السفير ناثان سيلز «منسق مكافحة الإرهاب فى وزارة الخارجية الأمريكية الذى ترأس الوفد الأمريكى فى هذا الحوار الإستراتيجى مع إسرائيل حدد مهمة هذا الحوار بإتخاذ ما وصفه بـ «تدابير وقائية لمواجهة احتمالات الرفض الفلسطينى المتوقع للصفقة الأمريكية»، واعترف بأن الولايات المتحدة «تستعد لإمكانية حصول مقاومة فعالة للخطة»، لذلك لم يكن مستغرباً أن يقوم سيلز بجولة على الحاجز الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة (الاثنين 15/4/2019) وأن يستمع إلى قادة الجيش الإسرائيلى وتوقعاتهم للوضع على طول الحدود مع قطاع غزة. هل يمكن شن عدوان على قطاع غزة ضمن تلك الإجراءات الوقائية الأمريكية الإسرائيلية؟ ربما، لكن المؤكد أنهم سيعملون على إسقاط السلطة الفلسطينية عاجلاً أم آجلاً، على ضوء ما سبق اتخاذه من إجراءات تجفيف المنابع، وحجب أى دعم أمريكى أو عربى للسلطة الفلسطينية وتمهيداً لفرض بديل محلى، حيث تمت مصادرة أموال السلطة المحتجزة لدى سلطات الاحتلال بحجة أنها تصرف مخصصات لأسر الشهداء والأسرى.

المفترض أمريكياً أن تنجح الإدارة الأمريكية فى فرض الصفقة بشقيها السياسى والاقتصادى على الدول العربية والفلسطينيين، أى فرض القبول العربى بخيار «حل الدولة الواحدة اليهودية على كل فلسطين»، وهو الحل النابع من تنفيذ مضمون «قانون القومية» اليهودى الذى أصدره الكنيست فى يوليو 2018 والذى وضع الفلسطينيين فى الضفة الغربية بين أحد خيارين: إما القبول بالتخلى عن الأرض والسيادة والقبول بالعيش داخل إسرائيل منزوعى الهوية والسيادة فى مناطق متناثرة للحكم الذاتى، وإما النزوح إلى الخارج، وإنهاء أى مطالب عربية أو فلسطينية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأرض التى احتلت فى الخامس من يونيو 1967، إضافة إلى توفير الدعم المالى اللازم لاسترضاء الفلسطينيين وتطويع إرادتهم للقبول بالأمر الواقع سواء كانوا فى الضفة الغربية أو قطاع غزة، واتخاذ خطوات عربية جادة للتوسع فى التطبيع مع إسرائيل وتعميق هذا التطبيع ليتحول إلى تحالف مشترك ضد إيران تحت شعار «محاربة الإرهاب». وإذا كان الأمريكيون منخرطين فعلياً فى القيام بأدوارهم تلك فإن ما يشغل رئيس الحكومة الإسرائيلية الآن هو تسريع التوسع والضم بأسرع ما يمكن فى أراضى المنطقة (جـ) من الضفة الغربية، إضافة إلى فرض خيار «الحصانة مقابل السيادة» أى مقايضة الأحزاب والكتل اليمينية المتشددة الفائزة فى الانتخابات الأخيرة المرجح مشاركتها فى الحكومة الجديدة بأن توافقه على استصدار قانون من الكنيست بمنحه الحصانة ضد الملاحقات القضائية التى تطارده مقابل التعهد لهم بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية إضافة إلى التعهد بتقديم إغراءات أخرى لهذه الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل زيادة المخصصات المالية للمعاهد والمدارس الدينية، وإعفاء المتدينين من التجنيد الإجبارى فى الجيش الإسرائيلى.

يبقى السؤال الأهم: هل يوجد تقسيم عمل بين الدول العربية والسلطة الفلسطينية لإفشال تلك الجهود الأمريكية الإسرائيلية أم أن إدارة ترامب وحكومة نيتانياهو ستكسبان الرهان وفرض ما يعتبرونه «صفقة قرن» بالنسبة للمشروع الصهيونى تنافس ما تقرر فى مؤتمر بازل الصهيونى الأول عام 1897 الذى أسس مبدأ إقامة الدولة اليهودية فى فلسطين؟

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير