شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 26 يونيو 2019م16:56 بتوقيت القدس

ما وراء الانقسام والفتن

15 إبريل 2019 - 06:44
عبد الإله بلقيز
شبكة نوى، فلسطينيات:

ربّما اعتقد كثيرون أنّ فكرة «الفرقة الناجية» فكرة إسلاميّة صرف، استلهمها القائلون بها من حديث منسوب إلى رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، فانتحلها كلّ فريق منهم لنفسه، وخصّها بها من دون سواه. والحقّ أنّ الفكرة هذه مشتركة بين الثقافات الدينيّة التوحيديّة كافّة، وحاضرة في عقائد أتباعها بدرجات متفاوتة. ما من تاريخ دينيّ «توحيديّ» خلا من الاعتقاد بوجود «فرقة ناجية» فيه؛ هي التعبير «المطابِق» و«الأمين» عن الدين، لأنّه ما من ثقافة دينيّة لم تشهد على تداوُل فكرة وجود الضّلال والزّيغ والمروق والتجديف في أوساط معتنقي الدين. إنّ الأديان، في منظور أتباعها، بمقدار ما تُمثِّل الهداية والطريق المستقيم إلى الحقّ هي، في الوقت عينه، فضاء فسيح لتجلّي الصراع الدائم بين الحقّ والباطل، الخطيئة (الإثم) والخلاص، الهداية والضّلال، السُّنَّة ( الطريق القويم) والبدعة (الهرطقة).. إلخ. والمشروع الذي يدشّنه أيّ رسول، في أيّ دين، بالدعوة إلى رسالته، ونشر التعليم الدينيّ، وإنذار الكفّار والضالّين، وتبشير المؤمنين، ونصرة أهل الحقّ على أهل الباطل، وتوعُّد المنافقين والمجدّفين..، يظلّ يُنْظَر إليه وكأنّه مازال مستمرّاً بعد رحيل الرسول، وأنّه يوجد هناك مَن يقوم مقامه في «إكمال» الرسالة، وبالتالي، في الاستمرار في اقتلاع الكفر والضلال والزّيغ، بما في ذلك المنْدَسّ منه في أوساط الجماعة الاعتقاديّة، لتحرير الدين منه.

حضور فكرة «الفرقة الناجية» في تاريخ مجتمعات الأديان التوحيديّة وثقافاتها، وتداوُل القول بها بين الجماعات داخل كلّ تاريخ دينيّ هو، بالذات، ما يفسّر لماذا كان تاريخ معتنقي الأديان تاريخَ صراعٍ مرير بين جماعاتها، وتاريخ انقسامات وانشقاقات فيها تحوّلتْ بها الجماعةُ الاعتقادية الواحدة - أو التي تركها الرُّسُل واحدة - إلى مذاهب وفرقٍ وشِيَعٍ متنابذة ومتلاغيّة لا يكاد يجمع بينها جامع. لا يمكن وعْيُ الأدوار الانقساميّة التي أدَّتها فكرةُ «الفرقة الناجية»، في كلّ دين، إلاّ متى أخذنا في الحسبان أنّ انتحالَ أيِّ جماعة من الجماعات الدينيّة صفةَ تلك «الفرقة الناجية» يُخرِج غيرَها - على الأقلّ في نظرها - من تاريخ النجاة/الخلاص، ويعود بها إلى ما قبل الرسالة بوصفها جماعات ضالّة. ومن الطبيعيّ أنّ النزاعات بين جماعات الدين الواحد وشِيَعِهِ على اكتساب صفة «الفرقة الناجية» واحتكارها، لا تنحصر في كونها نزاعات عَقَديّة (لاهوتيّة، كلاميّة) تجري باللّسان والقلم بين أئمة الجماعات تلك، وألسنتها، بل غالباً ما تجنح للتعبير عن نفسها في مواجهات ماديّة مسلّحة ضارية؛ وليستِ الفتنُ والحروبُ الدينيّة، التي اندلعت داخل الأديان كافّة، إلاّ أكبر الشواهد على تلك الانتقالات الدراماتيكيّة التي حصلت من الجدل العقائديّ حول تمثيل الدين القويم إلى التصفيات الماديّة المتبادَلة بين القوى المنخرطة فيه.

كيف ينتهي القول ب«الفرقة الناجية» إلى الانقسام، فإلى الفتنة، والحرب؟

يتولّد هذا المسار من اللحظة التي تُعَرِّفُ فيها جماعةٌ دينيّة ما «الفرقة الناجية» بوصفها الوحيدة المؤمنة، التي تسلك السبيل على طريق «الدين القويم»، وتعرِّف فيها غيرَها بأنها على ضلالٍ مبين، ثم تؤسِّس على هذا التعريف المزدوج زوجاً عَقَديّاً تفكِّر من داخله، وتتوسّله معياراً للتمييز والتحديد هو زوج: الإيمان/الكفر. هكذا تصبح الجماعةُ المنتحلةُ صفةَ «الفرقة الناجية» الجماعةَ المؤمنة أو، قُل، الجماعةَ التي تحتكر صفةَ الإيمان، فيما تتحوّل الجماعاتُ المخالِفة إلى جماعاتِ كُفر.. وإذا أخذنا في الحسبان أنّ كلّ فرقة من فرق الدين تحسب نفسها «فرقةً ناجية» وبالتالي، الفرقةَ المؤمنة الوحيدة، وغيرُها كافرٌ خارج المِلّة، نُلفي أنفسنا أمام مشهدٍ تَعُدُّ فيه كلُّ فرقةٍ نفسَها مؤمنةً وغيرُها كافر.. قد يرعوي العقلاء من أئمة بعض المذاهب والفرق فيمسكون النفس عن التكفير، ويكتفون برجم مخالفيهم بتهمةٍ، أقلّ وطأةً من الكفر، مثل البدعة (الهرطقة) (كما فعل أبو حامد الغزالي أو الخيّاط في الإسلام، والقدّيس أوغسطين والقدّيس توما الأكوينيّ في المسيحيّة)، إلاّ أنّ اشتداد المنازعات بين الفرق والجماعات، خاصّةً في مراحل التأزّم السياسيّ، سرعان ما يُضرِمُ مجدّداً نارَ الرجم المتبادَل بالتكفير، فيُفضي بها إلى المواجهات الدمويّة، والإفناء المتبادل.

وراء التعصّب، إذاً، اعتقادٌ- جليٌّ أو مُضمَر- بفكرة «الفرقة الناجية» واستبطانٌ لها: مُدرَكٌ أو غيرُ مشعورٍ به؛ فالمتعصّب لرأيه دائماً على حقّ - في اعتقاده- وغيره في ضلالٍ يَهْمَع؛ هو مالك الحقيقة وحده، وهذه تُرتِّب عليه أن يُمكِّن لها أسباب الفُشُوِّ والسيادة. وليستِ المشكلةُ في أنّ الفكرة تلك قيل بها في ما مضى، وتَولَّد من العمل بها ما تولَّد من شقاقٍ ونزاعٍ، في هذا المجتمع وذاك؛ ولو كانت هي من التاريخ الماضي المنقضي، لَهَانَ الأمرُ اليوم، لكنّها - من أسفٍ شديد- ما برِحت تحْضر في الأذهان والأفعال، حتى وإنْ بشكلٍ غيرِ موعى به، فتزوِّد أفكار التعصّب بالقوّة التي بها تحيا وتتجدّد. 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير