شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 22 مارس 2019م02:05 بتوقيت القدس

إيران في العين الإسرائيلية.. ضعف قابل للانهيار

13 مارس 2019 - 07:29
عماد أبو عواد
شبكة نوى، فلسطينيات:

الملخص:

- إيران من أكثر المصطلحات استخداما في الإعلام العبري، مراكز بحثه، ولسان قادته، وترى “إسرائيل” في إيران بؤرة خطر حقيقي عليها.

- ترى “إسرائيل” أنّ إيران تمر بأزمات داخلية حقيقية، تتمثل في تردي الوضع الاقتصادي، والتركيبة السكانية التي تُعتبر عامل مُهدد إضافي، إلى جانب الخلافات السياسية الداخلية في الجمهورية الإسلامية.

- هذه التحديات ستكون عامل مؤثر على مستقبل الدولة، رُبّما لن تؤدي إلى انهيار النظام فيها، على المستوى التكتيكي، لكنّها ستجعله أكثر ضعفاً، ومؤهلاً للانهيار مستقبلاً.

- لا ترى “إسرائيل” احتمالية حدوث تغيير في علاقتها مع إيران، في ظل وجود النظام الإسلامي، ولا زالت تستبعد قيامها بقصف المواقع النووية الإيرانية، لكنّ هذا الاستبعاد لم يعد استبعاداً كبيراً كما في الماضي.

**

مقدمة

تحتل إيران مساحة واسعة من التغطية الإعلامية الإسرائيلية، ويُخصص لها مساحة مهمّة في مراكز البحث الإسرائيلية، حتى أنّ بعض تلك المراكز يحمل اسمها، كموقع نظرة إلى إيران “مبات لإيران”، إلى جانب إفراد زاوية خاصة لها، في مراكز مهمّة كمعهد دراسات الأمن القومي، المركز المقدسي لدراسات الجمهور والدولة، ومركز بيجن-سادات للدراسات الاستراتيجية.

هذه الأهمية تنبع من حقيقة أنّ الدولتين قد تمتعا بعلاقات استراتيجية قبل الثورة الإسلامية، ليصل الطرفان بعدها، إلى حدود العداء الاستراتيجي، المُتمثل في عدم رغبة الدولة العبرية وجود دولة شرق أوسطية قوية، تكون بمثابة منافس ومُهدد حقيقي لها، في ظل أهمية فلسطين التاريخية، للمسلمين بشكل عام.

من خلال متابعة إصدارات المراكز البحثية والإعلامية الإسرائيلية، يصل الباحث إلى حقيقة أنّ الدولة العبرية التي تتبع عن كثب ما يحدث في إيران، ترى أنّ الدولة الإسلامية والتي قد تكون قوّية من الناحية العسكرية، باتت تُعاني بفعل سياساتها الخارجية، وبسبب العلاقات غير الجيدة مع الولايات المتحدة من مشاكل داخلية، اجتماعية، اقتصادية، وسياسية، هذا إلى جانب أنّ التركيبة السكانية بحد ذاتها تُعبّر عن انقسام داخلي، قد يؤدي هو الآخر إلى انفجار داخلي.

يُناقش هذا البحث، إيران من الداخل، وفق الرؤية الإسرائيلية، إلى جانب تطرقه للرؤية الإسرائيلية لطبيعة العلاقة المُمكنة بين الطرفين، في ظل الحكم الإسلامي الحالي، أو ما بعده، في حال تعرضه للانهيار بفعل تحديات متنوعة.

الوضع الداخلي الإيراني

تدأب “إسرائيل” من خلال مراكزها البحثية، على دراسة الوضع الداخلي في إيران لمعرفة مدى الثبات الاجتماعي والوضع الاقتصادي وكذلك كيفية تعامل الدولة مع الأقليات الدينية الإثنية فيها، لأن لكل ذلك انعكاسات على طبيعة استعداد إسرائيل لمواجهة إيران، كتحدي كبير تنظر له الدولة العبرية.

أولا: التركيب السكاني قنبلة موقوتة في إيران

إيران دولة متعددة الأعراق، نصف السكان يعتبرون أقليات ليسوا إيرانية، آذاريين، أكراد، تركمان، عرب وبلوش وقسم كبير من هؤلاء يتركزون في مناطق الحدود وتربطهم علاقات مع إخوانهم من نفس الأقليات بالدول المجاورة، التيار المركزي الحاكم في إيران، يقلل من شأن أي خطر يشكله أبناء الأقليات، وهذا ما يُخالفه به الباحث في معهد دراسات الأمن القومي افرايم كام، الذي يعتقد أن وضع الأقليات، هو أحد عوامل الأزمة الداخلية في إيران (كام ا.، 2009).

وتُشير الباحثة براندا شيفر، من مركز دانيال ابراهام للدراسات الاستراتيجية، أن تلك الأقليات سعت للحصول على الاستقلال، أو على الأقل للحكم الذاتي، فقد حاولت ذلك في نهاية حكم السلالة الكاجارية أثناء الحرب العالمية الثانية، وأيضاً حدث ذلك في السنة الأولى بعد نجاح الثورة الإسلامية (شفر، 2010)، لذلك تنظر مراكز الأبحاث الإسرائيلية، إلى أن الوضع الداخلي الإيراني عنصر تهديد حقيقي لاستقرارها.

وتضيف شيفر بأنه وبالرغم من كل الإحصائيات التي نشرت حول أعداد الأقليات إلا أن النظام يحاول التقليل من أعدادهم، ويُمنع الباحثون والصحافيون من إجراء أبحاث تخص الأقليات ولغاتهم وكل المعطيات التي يتم الحصول عليها بهذا الجانب هي معلومات خضعت للرقابة العسكرية، وما الأرقام المنشورة حول أعداد الأقليات إلا من باب التخمين (شفر، 2010)، وتضيف شيفر، أن عُنصر الخطورة، لا يكمن فحسب بوجود الأقليات، بل بارتباطها بمحيطها الخارجي، كالأكراد وارتباطهم بمحيطهم في تركيا والعراق (شفر، 2010).

النتيجة التي تتوصل إليها الأبحاث المختلفة، بأن الاكراد والتركمان والبلوشي يعانون من تمييز مضاعف بسبب أنهم من أهل السنة، ولأن هؤلاء الأقليات يعانون من ضوائق اقتصادية فقد حاولوا استخدام اللغات الأم ليقيموا علاقات تجارية مع الدول المحيطة، وهذا يشكل تحدياً أمنياً لإيران وبالرغم من أن النظام الايراني يتبنى الايدلوجيا الإسلامية والتي هي نظرياً، لا تميز بين المسلمين على خلفية اثنية إلا أن الجمهورية الإسلامية تميز، وبشكل منهجي، ضد لغات وثقافات أبناء الأقليات، بالرغم من أن الدستور الإيراني يمنح للأقليات حق استخدام لغاتهم في التعليم والطباعة، إلا أن الواقع يمنع استخدام غير اللغة الرسمية وهي الفارسية. ليُلخص الدكتور راز تسيمث، من معهد دراسات الأمن القومي المشهد على أنه عنصرية من العيار الثقيل، ومهدد حقيقي لتماسكها الداخلي (تسمت، 2015).

وتهتم الأبحاث الإسرائيلية، لرؤية مراكز حقوق الانسان للوضع في ايران، والتي ترى أن إيران تتعامل مع أبناء الأقليات بشكل يخالف ما ورد في إعلان الأقليات، وفق الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وتُشير باندا أن استطلاع الانتخابات التي جرت في العام 2009 يظهر أن الأقليات تشكل تحدياً أمام النظام الإيراني الذي يتهم جهات خارجية بتشجيع الاحتجاجات وأعمال العنف، فمن جانب لا يستجيب النظام لمطالبهم ومن جهة أخرى يضرب بيد من حديد النشطاء فهذه السياسة ستنجح بالمدى القريب لكنها ستفشل على المدى البعيد وذلك لزيادة لشعور بالغربة من قبل أبناء الأقليات (شفر، 2010)

وهذا ما عاد اليه، نفتالي هيلغر عبر محاضرة ألقاها بعنوان “إيران تشتعل من الداخل” قال فيها إن إيران تشتعل منذ عدة أيام حيث تجري مواجهات دموية بين قوات الشرطة وحرس الثورة الإيراني من جهة، وبين متظاهرين أكراد من جهة أخرى، وذلك في مدينة ماهاباد بعد أن قفزت فتاة كردية من شباك في فندق هربا من أحد رجال الأمن الذي حاول اغتصابها (هلغر، 2015).

ويقول المستشرق المشهور، مردخاي كيدار، أنّ التقسيم الإثني الداخلي في إيران، هو أحد العوامل المهمّة التي ستجعل من الثورات الداخلية، عنصر مستمر، ما بين الفينة والأخرى، مرجحاً أنّ سقوط النظام هو مسألة وقت ليس إلّا، وإن كان النظام من وجهة نظره، يستطيع قمع التظاهرات، لكنه لن يستطيع القضاء على أسباب الحراكات (كيدار، 2018)، مضيفاُ أنّ احتمالية انقسام إيران لعدّة دول، هو أمر وارد، على المدى البعيد، في ظل التقسيم الداخلي الكبير.

التركيز على هذا الموضوع ينبع من الأمل أن يتم تقويض النظام عن طريق الثورات الداخلية، وأن يُشكل الوضع الداخلي في إيران، أمل في أن تصل إيران لحدود التقسم من الداخل، أو الحرب الداخلية، الأمر الذي سيُضعف الدولة، التي باتت ترى فيها اسرائيل تهديداً أكبر مع اقترابها من امتلاك قنبلة نووية وفق التقديرات الإسرائيلية، ومن يدري، فمن الممكن أن يكون لإسرائيل دور محرك في مثل هكذا أحداث، من منطلق أن ضعف الدول اقليمياً، سيدفعها لعلاقات أقوى مع إسرائيل.

ثانياً: الوضع الاقتصادي الداخلي في إيران

الوضع الاقتصادي الداخلي في إيران، متدهور كما تراه “إسرائيل”، وهو العامل الأهم من وجهة النظر الإسرائيلية، في تقريب انهيار النظام الحالي، ولربما إن كانت إيران تستطيع الصمود في الفترة الحالية، فإنّها ستواجه تحديات كبيرة قريباً.

وترى المراكز البحثية الإسرائيلية، أنّ إيران عوّلت كثيراً على الاتفاق النووي، من أجل تحسن أوضاعها الاقتصادية داخلياً، وتحديداً تطوير الجانب السياحي فيها، وتحقيق قفزات كبيرة في الصادرات الصناعية.

حيث أنّ الاتفاق دفع بريطانيا لإعادة افتتاح سفارتها في طهران وبالتالي الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية، التي تأمل من خلالها ايران، تحقيق قفزات اقتصادية، لكن تُشير مراكز البحث الإسرائيلية، إلى أن رفع العقوبات التدريجي لم يُسهم بعد في قفزات تُذكر للاقتصاد الإيراني، حيث أشار الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي، أفرايم كام، وسيما شايين، أن البطالة في ارتفاع ونسبة النمو أقل من المعدل العالمي بكثير (كاام و شتين، 2017)، ويعيد الباحثان ذلك، إلى نزول اسعار النفط، وعدم التزام الولايات المتحدة، بما نص عليه الاتفاق، قبل أن تنسحب الولايات المتحدة منه نهائياً.

وحيال السياحة الإيرانية، تُشير روز بنحاسي، إلى أن عدد السواح الذين وصلوا إيران قبل الاتفاق النووي بسبب الدعاية الموجهة من الغرب ضد إيران قليل جداً، وذلك يعود لخطابات القادة الإيرانيين المعادية للغرب، وأيضا ما يعانيه القطاع الاقتصادي وعدم وجود بطاقات اعتماد، وأيضاً فرض اللباس المحتشم على النساء والرجال، وفرض السلوك المنضبط على المواطنين وعلى الزائرين سوية (بنحاسي، 2016).

وقد أشارت الإحصاءات الإيرانية أن ما يزيد عن 2 مليون سائح قد زاروا إيران في العام 2015 وتأمل الحكومة أن يصل العدد إلى 20 مليون في العام 2025 مما سيدر على الدولة ما يزيد عن 30 مليار دولار سنوياً، وقد أكد دورون فيسكين، أن السياحة في ايران زادت بنسبة 240% قبيل الاتفاق النووي (فيسكين، 2014)، من هنا تفترض مراكز البحث أن يزدهر القطاع السياحي وبالتالي الاقتصادي، بعيد الاتفاق النووي، إلا أن ما يعيق ذلك وفقها هي التكاليف الباهظة التي تتكبدها ايران بسبب تدخلاتها الخارجية (كاام و شتين، 2017).

ولم تُخفِ الباحثة بنحاسي ألمها، على أن دولتها العبرية هي فقط، من ستُحرم من العلاقات مع إيران، وكذلك من السياحة فيها (بنحاسي، 2016).

ما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وزيادة التدخل الإقليمي الإيراني، يُجمع الكتاب الإسرائيليون، على أنّ إيران باتت الآن تُعاني من أزمة اقتصادية مقلقة، فاقمت من الوضع الاقتصادي السيء، ودفعت شرائح واسعة، للسقوط في مستنقع الفقر.

لكن هذا الواقع الاقتصادي السيء، وفي يوم دراسي خُصص حول الواقع الإيراني مطلع شهر أيلول\2018، أجمع الباحثون على أنّ ذلك لن يقود إلى انهيار النظام الحالي، على المدى القريب معيدين ذلك إلى قدرة النظام على ترتيب أوراقه، وعدم اشتراك الطبقة الوسطى في الحراك ضد النظام (inss، 2018)، إلى جانب عدم وجود بدائل واضحة للنظام.

إلى جانب الواقع الاقتصادي السيء كما تراه “إسرائيل”، فإنّها ترى أيضاُ أنّ النخبة الدينية لها ميزات اقتصادية، علاوة على أنّ الجيش وحرس الثورة، وفق الباحث راز تسيمث، يسيطرون على مفاصل هامّة من اقتصاد البلاد (تسمث، 2016)، الأمر الذي حوّل النخبة إلى مُسيطر مهم على الاقتصاد ومرتبط بالحكم.

وأضاف تسمث المتخصص في الواقع الإيراني، لصالح موقع “مبات لإيران”، أنّ إيران التي خسرت كثيراُ بسبب تدخلاتها الخارجية، تُحاول الآن الاستفادة من خلال نسج علاقات اقتصادية على الساحتين السورية والعراقية، محاولة الاستفادة من ثقل وجودها على الساحتين (تسيمث ر.، 2018)، لكن الأمر وفق راز، ليس سهلا بسبب العقوبات الأمريكية، التي تم تشديدها مؤخرا.

فيما قد لخصت يديديا لاو، المشهد الاقتصادي في إيران، حيث اعتبرت أنّ ضعف الاقتصاد الإيراني، يعود إلى اعتماد إيران تاريخيا على النفط، تصديراً وبيعاً للسوق الداخلي بأسعار رمزية، الأمر الذي جعل من الصناعيين والسكان معتادين على أسعار رخيصة، في احتياجاتهم للوقود والكهرباء، وما بعد نزول أسعار النفط والعقوبات، دخلت الدولة في أزمة اقتصادية، حيث قلّت مداخيلها من جانب، ومن جانب آخر لن تستطيع رفع تكاليف الطاقة على المواطن مرّة واحدة، حيث ما يتم منحه، لا يُمكن سحبه بسهولة (لاو، 2018).

ويُمكن اجمال الاقتصاد الإيراني كما تراه “إسرائيل” من خلال عيون كتّابها وفق ما يلي:

الاقتصاد الإيراني يمر في حالة صعبة، والضغط الأمريكي عليه سيؤدي إلى المزيد من الأزمات الاقتصادية.

التدخل الخارجي الإيراني، هو أحد العوامل التي ساهمت بتراجع الاقتصاد الإيراني، بفعل عشرات مليارات الدولارات التي تم انفاقها.

تأملت إيران أن تُساهم الاتفاق النووي في تحسين اقتصادها وسياحتها، لكنّ ذلك لن يحدث على المدى المنظور.

إيران من الناحية الاقتصادية، لا زالت تستطيع الصمود ولكن بصعوبة، الأمر الذي قد يُعرضها مستقبلاً لأزمات داخلية، ولتوّسع الثورات الداخلية، المبنية على دافع اقتصادي.

الوضع السياسي الداخلي في ايران

تتابع المراكز البحثية الإسرائيلية عن كثب التطورات السياسية الداخلية في إيران، خاصة في ظل الصراع ما بين التيار الإصلاحي والمحافظ، وتتبع وراء أي تغيير حاصل على ساحتها، فقد اعتبر ابيب كوخابي رئيس هيئة استخبارات الجيش، أن انتخاب روحاني لرئاسة الجمهورية الاسلامية في العام 2013 تغّيّر استراتيجي (رابيد، 2013)، وكان هذا التقدير قبل خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في الأمم المتحدة بساعات قليلة، في اشارة واضحة لكثب المتابعة الاسرائيلية للتغيرات على الساحة الايرانية.

حيث يرى الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، راز تسيمث، أن هناك تحديات حقيقية تواجه النظام الحاكم في إيران، إلا أن هذه التحديات لا ترقى إلى درجة تهديد النظام الموجود أو الانقلاب عليه (تسيمث ر.، 2017)، ويُشير تسيمث نفسه أن الصراع ما بين المحافظين والاصلاحيين، لا يرقى إلى درجة تهديد التبادل السلمي للسلطة فيها.

هذا الواقع قد يكون مؤلما للباحث الإسرائيلي، الذي لطالما منّى النفس بأن يُشكل الصراع ما بين التيّارين، إلى تهديد النظام القائم، إلا أنه إلى جانب ذلك، فإن منتدى التفكير الاقليمي يُشير إلى أن استقرار الوضع في إيران لا يعني عدم وجود تحديات حقيقية لنظام الثورة الإيراني، لخصّها فيما يلي (منتدى التفكير الاقليمي، 2016):

أولاً: ازدياد الفجوة بين الجمهور وقيادة الثورة، التي لم تستطع تلبية غالبية احتياجاته، حيث تطالب الجماهير وتحديداً الجيل الساب منها مزيداً من الحرية والانفتاح، إلا أنهم يرغبون بتغيير تدريجي وليس انقلابي على النظام الموجود.

ثانياً: معاناة النظام الايراني من فشل اقتصادي، حيث كان هناك أمل كبير أن يكون هناك قفزات اقتصادية وتحديداً بعد البدء برفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، إلا أن ذلك لم يُلحظ.

ثالثاً: الوضع السياسي ما بعد خامنئي، حيث لا زال الرجل يمتلك كافة الخيوط داخل الدولة، وهناك تشكك كبير للمرحلة التي تليه، ويدور الشك تحديداً حول قدرة التيارات المختلفة بلورة رؤية سياسية داخلية وخارجية للتغيير، أو هل من الممكن أن تزداد الفجوة والخلافات بين التيارات المختلفة.

مجمل مراكز البحث الإسرائيلية لا ترى خوفاً على مستقبل النظام القائم في ايران في ظل وجود خامنئي، ورغم الخلاف ما بين المحافظين والاصلاحيين إلا أنّ ذلك لن يكون عاملاً مهدداً باندلاع ثورةٍ ضد الحكم القائم مرحلياً على الأقل، في ظل التحديات الخارجية، مع عدم استبعاد وجود حراكات لقضايا اجتماعية، حتى في ظل ضعف المحافظين فإن ذلك لن يهدد النظام الثوري القائم، الذي وفق راز تسيمث، سيستجيب لمطالب الجماهير دون اصلاحات سياسية حقيقية، مؤكداً أن هذه الحراكات قد يكون لها تأثير على مستقبل النظام على المدى البعيد (تسيمث ر.، 2017).

ما بعد خامنئي، هي المرحلة الأكثر خطورة من وجهة نظر “إسرائيل”، والتي ترى، أنّ الجمهورية الإسلامية قد تنكشف أمام صراعات داخلية ما بعد حُقبة الرجل المسنّ، ويرى يوسي كوفرفسر، الباحث في المركز “هيروشالمي”، أنّ إيران قريباً، ستكون أمام مفترق طرق، وإلى جانب أزماتها الاقتصادية، الاجتماعية والسياسة، فهي باتت تُدرك أنّ لا أحد من دول العالم، يستطيع التخفيف من أزماتها (كوفرفسر، 2018)، في ظل عداءها مع الولايات المتحدة.

تصور مستقبل العلاقات بين الطرفين

إسرائيل تُقرّ بأنّها خسرت كثيراً، بعد قطع العلاقات مع إيران بعيد نجاح الثورة الإسلامية، وكادت أن تخسر تركيا بعد أحداث مرمره، وستواصل إسرائيل القتال على شرعيتها الدولية ولا شك أن ملف إيران بكل ما يحتويه من تفاصيل، يدل على أنّ إسرائيل هي الأكثر من بين دول العالم التي لا تجد إجماعاً على شرعيتها، ولا شك أنّ غالبية خلافات المنطقة سواء التي تُدار بين الدول الكبرى أو التي تجري بين التنظيمات المحلية، توجد فيها إسرائيل كجزء من الحل أو المشكلة، لذا يمكن طرح سيناريوهين اثنين، في ظل استبعاد وجود علاقات بين الدولتين، ما دام الحكم الإسلامي هو المُسيطر على مفارق الحكم في إيران.

بقاء الأوضاع على حالها، عدم المواجهة المباشرة

مما لا شك فيه أن إسرائيل تعتمد اعتمادا كبيراً على الولايات المتحدة في كبح جماح إيران ومنعها من امتلاك القنبلة النووية، ومن الاقتراب من حدود فلسطين المحتلة، هذا الاعتماد قد تعمق عند صعود ترامب إلى الحكم وبعد طرحه قيامه بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران والذي وُقِع أيام حكم سلفه اوباما.

ويقول الجنرال يعكوف عمدرور، أن الرئيس اوباما قد ترك وراءه تركة ثقيلة من سفك الدماء في العالم، فأوصد الباب أمام وصف أمريكا بأنها الدولة الأقوى في العالم، والآن وبعد صعود ترامب يوجد لإسرائيل سبب لتتفاءل، فإسرائيل هددت أنها قد تستخدم القوة وستدافع عن نفسها ولذلك على إسرائيل أن تقنع الرئيس الجديد بخطورة إيران النووية (عميدرور ي.، 2016).

وكان الباحث مائير جادبنفار، قد رجح ومنذ سنوات طوال، أنّ الأوضاع ما بين إسرائيل وإيران ستستمر على حالها، مستبعداً فرص التغيير في الفترة الحالية، ويعيد مائير ذلك إلى، عدم قدرة إيران على تصنيع قنبلة نووية في القريب العاجل، وعدم قدرة إسرائيل على اتخاذ قرار وحدها في هذا الملف (جبدنفار، 2010)، وهذا ما أكد عليه افرايم كام في العام 2011 (كام ا.، 2011).

وقد أكد مركز Ihls، أن امكانية قيام إسرائيل بقصف إيران، تصطدم بأمرين، الأول أن تنال رضى أمريكي، والأمر الآخر، أن قيام إسرائيل بقصف ايران بالسلاح التقليدي غير مجدي، وقيامها بالقصف بالسلاح النووي، سيقضي على سياسة الغموض النووية الإيرانية(ihls، 2014)، فترجيحات بقاء الأوضاع على حالها هو سيد الموقف بالنسبة للباحثين في العديد من المراكز البحثية، خاصة إذا ما اصيف إلى ذلك، أن ايران لا تستطيع التقارب مع إسرائيل، من منطلق أن نهجها الثوري قائم على العداء معها.

هذه الترجيحات عادت لتؤكد هذه التقديرات، في اليوم الدراسي الذي عقده مركز دراسات الأمن القومي، قبل عدّة أسابيع، والتي أشارت أنّ إيران الحالية، لا يُمكن لها أن تنسج علاقات مع “إسرائيل”، ليرجح المجتمعون، أنّ تبقى الأوضاع ما بين الطرفين على حالها، دون الوصول إلى مواجهة مسلحة (inss، 2018)، في ظل تعقيد المعادلة الإقليمية، ووجود قوى عظمى فيها.

توجيه ضربة لإيران

السيناريو الثاني، والأقل احتمالية والمُناقش في العديد من الدراسات البحثية، وعلى لسان العديد من القيادات العسكرية، هو أن تقوم إسرائيل بخلع شوكها بيدها، والذهاب باتجاه قصف المواقع النووية الإيرانية، ولهذا القصف العديد من الايجابيات بالنسبة لإسرائيل، أولاً تأكيد إسرائيل أنها لن تسمح لدولة معادية بامتلاك السلاح النووي ،وإسرائيل كانت قد قصفت العراق وسوريا لمنع كلتا الدولتين من امتلاك السلاح النووي الشيء الذي قطفت إسرائيل ثماره ، كما أن الضربة الجوية ستؤدي إلى تأخير إيران من امتلاك القنبلة لعدة سنوات (رببورط، 2015).

ويُمكن ملاحظة أنّ هذا السيناريو، مطروح على الطاولة منذ زمن بعيد، ولعلّ التخبط الإسرائيلي في اتخاذ القرار بشأنه يُشير إلى عُمق الأزمة الإسرائيلية، في القدرة على اتخاذ القرار، ويُمكن متابعة نقاش هذا الموضوع خلال السنوات الأخيرة، وصولاً للعام الأخير.

حيث أشار معهد دراسات الأمن القومي INSSوعلى لسان رئيسه، الجنرال عاموس يدلين، إلى السيناريو المتوقع للقصف المتبادل، حيث إن إسرائيل ستقوم بالقصف الجوي، وبصواريخ أرض – أرض، فيما إيران تمتلك نوعين من الصواريخ يمكن لها أن تصيب إسرائيل،” شهاب 3 ” لمدى 1300 كم و”غدير” بمدى 1600 كم ولصاروخ شهاب 3 قدرة لحمل مادة متفجرة بوزن طن ولصاروخ غدير القدرة لحمل رأس متفجر بوزن 750 كم (بوحبوط، 2013).

أما عن امكانية استخدام إيران سلاح الجو فالأمر مستبعد وذلك للتفوق الإسرائيلي فإيران لا تمتلك إلا طائرات “سوخوي 24 “والتي لا تستطيع التحليق لمسافات طويلة، بدون التزود بالوقود أما عن الطائرات بدون طيار فما لدى إيران غير متقدمة ولا تمتلك المناورة في الحركة بعد تحليقها، أما الهجوم من البحر فلدى إيران عدة غواصات سوفيتية تبقيها في البحر الهندي وليس من السهل مرورها من قناة السويس للبحر المتوسط.

لذلك يرجح عاموس يدلين أن يتم إطلاق صواريخ من البحر المتوسط من سفن تبدو مدنيةً ويمكن إرسال غواصات صغيرة انتحارية إلى الشاطئ، وبالمقابل تمتلك إسرائيل منظومة صاروخية دفاعية “حيتس” و”القبة الحديدية” والتي تمكن من إسقاط الصواريخ، مما سيشجع إسرائيل على القصف، ويمكن لإيران أن تقوم بعمليات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية في العالم عن طريق “جيش القدس ” (بوحبوط، 2013).

ويُشير الباحث في الشؤون الدولية والسلاح النووي، شموئيل مائير، أن هناك خلافاً حاداً في الداخل الإسرائيلي، حول قضية القصف الأحادي الجانب لإيران، حيث يتبنى الفريق العسكري أنه من غير الممكن القيام بذلك منفردين، فيما يقود رئيس الوزراء الأسبق، ايهود باراك إلى جانب الجنرال عاموس يدلين، الفريق الداعم أن بإمكان إسرائيل الاعتماد على نفسها في ذلك، لكنّها ستحتاج الولايات المتحدة بعد عقد من القصف لمنع إيران ثانيةً (مائير، 2015).

هذه الترجيحات هي ذاتها في العام 2018، ولكن برفع احتمالية حدوث ذلك قليلاً، حيث ترى القيادات العسكرية، وعلى رأسهم وزير الحرب السابق موشيه يعلون، أنّ قيام “إسرائيل” باستهداف المواقع الإيرانية أمر مستبعد، لكنّه بات ممكناً بالمقارنة مع الأعوام السابقة(inss، 2018)، ولعلّ وجود ترامب في البيت الأبيض، إضافة إلى الأوضاع الداخلية في إيران، وربما بداية تراجع إيران في المنطقة، في ظل الضبط الروسي لها، قد يجعل من إمكانية قيام “إسرائيل” من قصف المواقع النووية الإيرانية، أمر أكثر جدّية من السابق.

خلاصة القول، أن إسرائيل تستخدم هذه الورقة للضغط على أمريكا وحلفائها لإدارة الملف وتستخدمه كورقة رعب ضد الإسرائيليين حتى يبقوا متحدين حول جيشهم تحت الشعار المعروف “العالم كله ضدنا”، والمرجح أن إسرائيل، لن تقوم بمثل هذه الخطوة دون دعم عالمي، وتحديداً من الولايات المتحدة الأمريكية، وشراكتها.

خاتمة

إيران من أكثر الكلمات شيوعاً في الإعلام العبري ومراكز بحثه، ومؤخراً باتت لصيقاً لبعض مؤامرات وخطابات رئيس وزراء الدولة العبرية بنيامين نتنياهو، كما فعل مؤخراً في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً خطورة إيران، ومحاولاً شيطنتها أمام العالم، وكسب المزيد من المؤيدين في صراع “إسرائيل” ضدها.

لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ “إسرائيل”، ومنذ ما يزيد عن عشرين عاماً تستخدم الخطر الإيراني، ففي دعايته الانتخابية عام 1996، استخدمه شمعون بيرس، لدعم رصيده الانتخابي، ولا زالت “إسرائيل” على ذات النهج.

وهنا يُمكن استنتاج أنّ الخطر الإيراني، بولغ فيه أم لم يُبالغ، باتت تل ابيب تجني من وراءه ثمرات سياسية، إقليمية وعالمية، فقد استطاعت تجييش العرب ضد إيران، والوصول إلى حلف مع بعض العرب لمواجهة هذا الخطر، إلى جانب استخدام الوجود الإيراني، كشمّاعة لاستمرار استهداف سوريا، والأهم من ذلك كسب المزيد من دعم الولايات المتحدة الأمريكية.

المصدر: مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

لنــا كلـــمة