شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 22 مارس 2019م01:56 بتوقيت القدس

"حرب باردة" بين الفنان والسلطة والحب

04 مارس 2019 - 08:30
شبكة نوى، فلسطينيات:

بولندا عام 1949 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تخضع بالكامل للسيطرة السوفيتية الشيوعية، وهناك فنان موسيقى يبحث في المناطق الريفية والجبلية عن الموسيقى الشعبية البولندية الأصلية ليقدمه على مسرح الدولة يقع في حب فتاة ريفية صاحبة صوت ووجه بولندي جميل، لتستمر قصة حبهما لأكثر من عشر سنوات.

للوهلة الأولى تبدو قصة فيلم «حرب باردة» (2018) الذي رشّح لـ 3 جوائز أوسكار (أفضل فيلم أجنبي/ أفضل مخرج /أفضل تصوير سينمائي) كقصة فيلم كلاسيكي قديم، خاصة مع اختيار المخرج للأبيض والأسود لصورة الفيلم مثل فيلمه السابق «إيدا» (2013) وبأبعاد صورة 1: 1.37 على غير المعتاد من الأفلام المعاصرة لتبدو أقرب  للمربعة منها للمستطيلة، بما يقترب من مقاسات الصورة في أفلام المرحلة الزمنية التى تدور فيها أحداث الفيلم.

ولكن الفيلم ليس ببساطة قصة حب بين فنان وريفية بخلفياتهما الاجتماعية والسياسية والثقافية المختلفة بل عن طبيعة العلاقات العاطفية والشخصية تحت ظل السلطات الفاشية والديكتاتورية، ففي أجواء قمعية تكون العلاقات أشد تعقيدًا حيث يشك الجميع في بعضهم البعض، ولا يكون أحد واثقًا من شيء، حتى مشاعره. أيضًا الفيلم عن علاقة الفنان بفنه وما يؤمن به، وحجم المواءمات والتنازلات التي يجب أن يقدمها لينجو بفنه في تلك الظروف والأجواء القاتمة. هذا ما يقدّمه المخرج البولندي  بافل بافليكوفسكي، بجرعة مكثفة من المشاعر المرتبكة، تحت اسم «حرب باردة».

الشؤون المعنوية البولندية

إدراك السلطة لقيمة الفن وتأثيره قديم من قدم التاريخ نفسه، وعلاقتها به هي الخيط الفاصل لأن يتحول الفن لبروباجندا.

بعد نجاح فيكتور (توماس كوت) وإيرينا (أجاتا كولسزا) في تأسيس فرقة للرقص والموسيقى البولندية الشعبية على المسرح الوطني للدولة البولندية بمعاونة كازماريك المدير الإداري للفرقة (بوريس شيس) يطلب منهما وزير الدولة المختص بشؤون الفن والثقافة أن توظّف الفرقة فنها للدولة، وأن تقدم أغانٍ مباشرة عن الإصلاح والسلام والقيادة الحكيمة وستالين.ترفض إيرينا بدبلوماسية متحججة بأن الفرقة تقدّم الفن الشعبي فقط، بينما يوافق الإداري كازماريك بشدة أما فيكتور فلا يتكلم. تواصل الفرقة نجاحاتها بدعم حكومي وسياسي. تنسحب إيرينا ويظل فيكتور يقود الفرقة التي كوّنها، ولكن تحت ضغط وصراع شديد يعتمر داخله، خاصة بعد تَصدّر صور ستالين العملاقة في الخلفية في أحد عروض الفرقة.

 وإيه يعمل الحب في بلد ضايع

بعد الأحداث التاريخية الضخمة كالحروب والثورات تأتي أوقات ماسخة أو كما أسمها الفيلم «باردة»، برود يشوبه قلق وارتباك تحاول فيه الحكومات استيعاب ما مرّت به، وكذلك الشعوب والأفراد. يمكننا أن نتذكر في مصر على سبيل المثال الأوقات الماسخة الباردة بعد 1952، وبعد 1967، وبعد 1973، وبعد 2013.

في بولندا كان غزوها من قبل الألمان والسوفييت في سبتمبر 1939 شرارة الحرب العالمية الثانية، فعاشت الحرب الأكثر دمارًا في التاريخ الحديث من أول دقيقة حتى نهايتها عام 1945، بعد غزو برلين وهزيمة ألمانيا لتخضع بولندا للسيطرة الشيوعية الكاملة.

بعد هذا التاريخ بأربعة سنوات يبدأ الفيلم في أشد الأوقات برودة في بولندا. يبحث فيكتور و إيرينا في ريف بولندا عن أغانٍ فلكورية وراقصين وراقصات بأصوات مميزة. تظهر زولا (جوانا كوليج)  في تجربة الأداء تغني أغنية «القلب»، فتأثر قلب فيكتور، لأنها حسب تعبيره تملك شيئًا آخرًا غير الصوت الجميل وهو الطاقة والإحساس الأصيل.

 حتى الآن تبدو القصة كأفلام الخمسينيات الجميلة؛ قصة حب تنشأ وتتغلب على الصعوبات لتنجح في النهاية، ولكنها لا تسير كذلك، لأنه في ظل الأنظمة القمعية هناك ملف لكل مواطن لا يسير على المسار المرسوم له من قبل الدولة.

 والفنانون هم أكثر عرضه للخروج عن المسار فيجب التعامل معهم بحذر، لذلك بدأ ملف زولا في الظهور، فنعرف أنها ليست ريفية تمامًا، وسجنت لمدة عامين بسبب محاولة قتل والدها. مثل هذا الملف يكون مفضلًا لدى الحكومات حيث يمكن السيطرة على الشخص في وقت الأزمات بمجرد التلويح بماضيه. وهذا ما حدث معها، فبرغم حبها الشديد لفيكتور إلا أنها كانت مضطرة لتقديم تقارير مفصلة عنه حتى لا يتم استغلال ماضيها ضد مستقبلها.

اللعب مع النظام

«البلد دي ريحتها فاحت» بسبب هذه الجملة مُنع فيلم «زائر الفجر» للمخرج ممدوح شكري عام 1973 بعد أسبوع واحد من العرض، ولم تكن تلك الجملة هي السبب الوحيد بالتأكيد بل فكرة الفيلم نفسها التي تدور حول مقتل صحفية يسارية، وتدخل جهات سيادية لوقف التحقيق. تسبّب منع عرض الفيلم في حالة اكتئاب شديدة لمخرجه ممدوح شكري ليتوفي في نفس العام، بدون أن يشهد عرض الفيلم، بعدها بعامين، بعد خضوعه لمقصات الرقابة المصرية.

الأمثلة الأكثر وضوحًا في الأفلام المصرية التي تناولت العلاقة بين السلطة وبين الفنان أو المثقف، تأتي من كتابة نجيب محفوظ، وربما هذا لا يثير أي استغراب، بسبب الطبيعة الملتبسة لعلاقة محفوظ نفسه بالنظام في مصر.لكن معظم أفلام محفوظ انطلقت من زاوية عكس «حرب باردة»، فهي لا تركّز على الوطأة النفسية التي يعاني منها الفنان تحت نظام ديكتاتوري وصراعه حتى لا يصنع مواءمات، ولكنها بالأحرى عن نفاق الفنان في علاقته مع السلطة، والمواءمات التي يلعبها في سبيل ذلك.

في «اللص والكلاب» (1962) لكمال الشيخ نتابع شخصية رؤوف علوان الصحفي الثوري الذي غيّر قناعاته في سبيل أن يصبح صحفي كبير، فيوالي النظام ويصطدم فيه صديقه اللص سعيد مهران بعد خروجه من السجن ليشهد على هذا التحول العنيف بل ويحاول قتله .

وفي عام 1971 كان لمحفوظ فيلمان، الأول هو «الاختيار» ليوسف شاهين، عن فكرة نفاق المثقف المتملّق للسلطة ممثلة في شخصية سيد الكاتب المشهور القريب من دوائر النظام ويعيش علاقة متوترة مع زوجته ابنة الشخصية الهامة في الدولة، وتبرز شخصية محمود بنقيضه، أخيه التوأم محمود الذي لا يهتم بالمناصب ويعيش حياته بصدق وبدون حسابات.

أما الفيلم الثاني فهو «ثرثرة فوق النيل» لحسين كمال، عن مجموعة من المثقفين والفنانين، تملكهم الإحساس باليأس تجاه قضايا الوطن، فهربوا إلى عوامة أحد الممثلين يدخنون الحشيش وينسون ما يحدث في الخارج.

 لكن في نفس عام عرض فيلم «زائر الفجر» المعاد مونتاجه، أي عام 1975، عُرض فيلم آخر من كتابة محفوظ وهو «الكرنك» لعلى بدرخان، والذي يدور حول طرق النظام في السيطرة على الطلبة والمثقفين وإجبارهم على التبليغ عن بعضهم البعض وكتابة التقارير الأمنية حتى بين الأصدقاء والمرتبطين عاطفيًا بأشكال التعذيب الجسدي والنفسي وحتى التهديد بالاغتصاب، لتتحول الخيانة مجسدة ولها أبعاد أكثر انحطاطًا وهو ماحدث في الحرب الباردة.

أغنية حزينة عن قلبين

تكررت أغنية فلكلورية حزينة طوال الفيلم عن فراق الأحباء على لسان بنت تحكي عن أن والدتها تحول دون علاقتها مع فتى لا يمكنها التوقف عن حبه «قلبان وأربعة عيون كانت تبكي طوال الليل/ قلبه سيتحول لحجر لمن فرق ما بين حبيبين». تعترف زولا لفيكتور وهما مسترخيين على العشب مُغمضي العينين، أنهم يستجوبونها بشأنه، وتبرر موقفها بأنهم استغلوا ماضيها، وتطمئنه بأنها لا تقدم شيئًا يدينه، وتطلب من التفهم، خاصة لأنهم يريدون معرفة أشياء غير ذات أهمية مثل نوع الموسيقى التي يسمعها أو علاقته بالله، تعتقد زولا بخلفيتها الريفية البسيطة أنها معلومات غير مهمة، ولكن فيكتور يعلم أنه على العكس تمامًا فالنظام يبحث عن ثغرة لكي يتحكم بالفنان.

انساب الفيلم في هذه الأجواء كأغنيته الحزينة التى تكررت بأكثر من توزيع؛ بدون موسيقى وأوبرالي وجاز. ومع اهتمام المخرج بالصورة بمعاونه مدير التصوير لوكاش زال في تعاونهم الثاني بعد «إيدا»، وباختيار مواقع التصوير ودقة التفاصيل من ملابس وإكسسوار حتى المجاميع مثل رواد المسرح أو راكبي القطار أو الأطفال التي تلعب الكرة في خلفية المشهد؛ فستتورط تمامًا في أجواء الخمسينيات في مدن مثل برلين وباريس وريف بولندا ويوغوسلافيا، خاصة مع الموسيقى التي قلما تتوقف، والمشاعر المكثفة التي نقلها الممثلين ببراعة من الحب إلى الغيرة إلى لوع الفراق سواء كانا هما السبب في هذا الفراق أو النظام.

مع أن «حرب باردة» يدور في بولندا وقبل أكثر من سبعين عامًا، إلا أن ما يصوره بدقة من أجواء التشكك والارتباك والغموض والترقب والتربّص والأجواء المشحونة الراكدة لتبعات وضع سياسي بعد حدث كبير نستطيع التواصل معه بدرجة ما على مستوى الأجواء الباردة التي نعيشها الآن.

المصدر "مدى مصر"

لنــا كلـــمة