شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 22 مايو 2019م23:33 بتوقيت القدس

في حياة الثمانيني "أبو دياب"

ليالي عَبَسَان.. قهوة بطعم الحُبّ

03 مارس 2019 - 08:35
حنان مطير
شبكة نوى، فلسطينيات:

خانيونس:

تشهدُ ليالي عَبَسان الجميلة كلّ يومٍ سهرةً تُحييها أنغام النّاي العذبة، تارةً بلحنِ الحبّ والفرح، وأخرى بلوعة الفراق والشوق للزمن العتيق، فيا لوفرة حظكم يا أحفاد الختيار أبو دياب العازف الأنيق، والحافظ للتراث العريق.

إحدى أحفاده الشقراوات واسمها "سارة" تروي لـ"نوى" أنّ أجمل الأوقات في يومِها هي تلك التي تجتمع فيها مع أطفال العائلة في ديوان الجدّ أبو دياب، وتستمع إلى حكاياته القديمة، وعزفه  خاصة معزوفة: "يا حصادين السمسم حطّوا السمسم بجراسه.. واللي يهوي وما ياخذ حطّوا السَّكَن على راسه".

بالمناسبة، سارة هي حفيدةُ "ابن" الحاج أبو دياب ذي الـ"150" حفيدًا وفق ما أخبرنا، وهو يجلس جلسته المهيبة في خيمةٍ بدويةٍ أصيلة جُدرانُها من بُسطٍ مُنجّدة تنجيدًا يدويًا صنَعتها زوجتُه "حليمة" في عِزّ صباها.

 يقول لـ"نوى": "كانت حليمة تجلس بجانبي وتُرَدّد المواويل وتُزغرِد، وأنا أعزف على الناي، وحدنا أحيانًا وأحيانًا مع العائلة، تُوفّت منذ عامين لكنها محفورةٌ في قلبي، فكل موقف يمرّ يعيدها لذاكرتي، لقد علّمتني حُب الناس والحياة".

لكن تلك الجِلسة لم تنتهِ، فما زال الناي يعزف مساءً والمواويل التراثية والأهازيج الشعبية تتردّد، إذ يتبادل ذلك أبو دياب مع أخويه أبي جمال (85 عامًا) وأبي عادل (90 عامًا).

شغف بالتراث

 أبو دياب كان يرتدي زيَّ أجدادِنا القديم، "قمبازٌ" ومن فوقه "السَّلَحْلَك" -حسب تعبيره- وهو أشبه بجلبابٍ، وعلى الخصر حزامٌ عريضٌ من الجلد ومن فوقه عباءة، تبدو كما لو أنها تفصيل اليوم، وعلى رأسِه حطَّة وعقال عربيّ يتوسطه شعار الدولة الفلسطينية "النسر".

 من أمامه يتربّع كانونٌ مُتّقِدُ الجمرات، تغلي من فوقِه القهوة المُرّة، كلّما رفع غطاء إبريقها النّحاسي فاحت رائحتها الزّكيّة وداعبت مِزاجي فزادني فنجانًا مشكورًا.

يشير لمهباشٍ وجرّةٍ ومغزلٍ وقرن غزال وفرنٍ صغير، جميعُها ورثها عن والدِه موضّحًا أنّ عشق التراث الفلسطيني في قلبِه يزيد كلما تقدّم به العمر "إنه مرتبط بحبّي للبلاد والأهل، والماضي الجميل".

 أما عن ثيابه فيروي: "عام 1959 سافرت خصوصًا إلى الأردن كي أفصل الرُّوْزَة ذات الغزالين والقمباز والسَّلَحلك والأطلس، هناك حيث الحياكةُ ممتازة والقماش فائق الجودة، ولا تمرّ مناسبة وطنية إلا وأشارك فيها وأرتديها، فكل أنواع الثياب لا تملأ عيني أمام الزي التراثي".

ويتزين أبو دياب بتلك الثياب في مسيرات العودة كل جمعة، حيث يشارك في الدحية والسامر وترديد الأهازيج وغيرها، يعبر: "خلف الحدود الشائكة حلم عودة وحق لا يمكن التنازل عنه".

ومنذ صغره "أبو دياب" لا يفرّط في أي أداةٍ قديمة، وعن خنجرٍ غرسه في غمده وقد خُطّ عليه كلمة "برقوق" وغيره من النقوش الدّالة على القوة والصلابة، يقول: "يعود هذا الخنجر إلى عهد السلطان المملوكي برقوق، لقد احتفظتُ به مذ كنت في العشرينات، ففلسطين صاحبة حضارة وتراث لا يمكن أن يندثر وقلعة برقوق الشامخة وسط خان يونس شاهدة على ذلك".

حتى خِرافه وحصانه الذي يعتني به أشدّ اعتناء يعود بأصوله وسلالتِه إلى ما قبل عام 1948، يركبُه كشابٍ ذي همةٍ، أخبرتُه أن ينتبه على نفسِه في الصّعود، فنظر إليّ بتحدٍّ زاد وضوحًا بملامحِ شاربِه الأبيض الكثيف وقبضة جبينِه الغائرة، ثمّ ثبّت نفسه بشموخ على ظهر حصانِه وأمسك اللّجام بثقة وابتسم قائلًا: "أشَبّ من الشباب يا بنتي".

 شرفٌ وعزّ

هذا الثمانيني كان قنّاصًا بأصولٍ بدويّةٍ، عمل في جيش منظمة التحرير الفلسطينية وشارك في حرب عام 1967، وما زال يحتفظ بسلاحه "سيمنوف" منذ ذلك العام، وسلاحٍ آخر من نوع "كارلو" منذ عام 1956 ذي الـ"30" طلقة وفق قولِه، ولا يسمح لأحدٍ أن يعبث بهما، يعبر: "ولا حتى لنسمةِ الهواء أن تقربَهما، إنهما شرف وعِزّ ورمزٌ للنضال".

أبو دياب الذي يسكن في بيتِه مع أصغر أبنائه، يحكي لـ"نوى" أنّ الدّيوان في بيتِه ذي المفارش الأرضية التراثية، وتلك الخيمة المجاورة ومن أمامها الأزهار والنخيل تشهدُ على الكثير من القصص الجميلة، مع الأصدقاء والضيوف والنساء والأحفاد، ألطفها حُبّه لزوجتِه، التي كانت تساعده في كل شيء، فيصفها بأنها "امرأة بمائة رجل منذ طفولتِها".

ويضيف: "كم كانت تُعدّ لي الشاي والقهوة في الخطوبة حين كنا نتقابل في مزارعنا ونشعل النار، وكذلك بعد الزّواج، لذلك فهي حاضرةٌ أمامي كلما استنشقت قهوتي وصنعتها".

ويستذكر: "في عمر (17 عاما) كانت حليمة تأتي لتنطُر مزرعتهم  المليئة بالعنب في منطقة "بني سُهيلة"، حين كنتُ في (19عاما) وآتي لمزرعتنا المليئة بأشجار التين، وكنّا مخطوبين، فأعزف كعادتي على الشّبّابة، وأغني المواويل فيصلها صوتي عبر المساحات الواسعة".

ويواصل بنهاياتٍ مجرورة: "تسمع حليمة أنغام شبابتي فتغني: "صباح الخير مني لحبيبي، واستوى كرم العنب ولا سوّى زبيبِ، مع مين أبعتلك سلامي يا حبيبي، ع جنح الطير ردّلي الجوابِ"، فأردّ عليها:" يا طير طاير من فوق التينِ، سلّم عالحارة الــ فيها حليمة.. إلخ".

يبتسم ويصف: "بعد ذلك أسمع زغرودتها المتردّدة تخترق أشجار الزيتون والتين والرّمان واللوز الفاصل بيننا، فينتعش صباحي وتزداد هِمّتي".

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير