شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 فبراير 2019م05:18 بتوقيت القدس

فارس بارود .. زغاريد لم تكتمل

09 فبراير 2019 - 19:08
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

"لم نزُره منذ 18 عامًا، نقله الاحتلال الإسرائيلي إلى غرفة العزل، بالتأكيد تغيّر شكله وملامحه، كنا نشتاق لرؤيته ونعيش على هذا الأمل، خاصة وأن الأخبار كانت تقول أنه مدرج على قائمة الدفعة الرابعة للأسرى المفترض الإفراج عنهم".

بهذه الكلمات افتتحت السيدة فايزة بارود "أم إياد" شقيقة الشهيد الأسير فارس بارود ابن مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة حديثها لـ "نوى" وهي تبكي شقيقها الذي تمنت عودته سالمًا وأن تفرح بزفافه، لكن الاحتلال قرر قتل فرحتهم المنتظرة وإرجاعه لهم في تابوت.

وكان الأسير الفلسطيني فارس بارود "51عامًا"، توفي مساء الأربعاء الماضي في سجن إيشل الإسرائيلي نتيجة للإهمال الطبي إذ كان قد أجرى عملية جراحية واكتفت إدارة السجن بإعطائه أدوية غير مغلّفة وأبقته في العزل الذي فرضته عليه منذ 18 عامًا، ومنذ ذلك الحين لم يشاهد والدته التي توفيت قبل عامين بعد أن ابيضّت عيناها حزناً عليه وذهب بصرها لكثرة البكاء.

تقول شقيقته بعد أن قلّبت بين يديها ثيابه التي كانت والدتها تخبئها لفارس حين عودته وتزويجه :"أمي رحمها الله كان عندها أمل كبير يطلع من السجن وتفرح فيه، عملت له غرفة ورتبتها وزينتها، واشترت طقم نوم كلفها 1200 دينار، وكانت دائما تشتري كل شيء يعجبها وتخبيه بغرفته عشان لما يطلع يلاقي كل شيء محتاجه جاهز".

أغلقت أم إياد باب غرفة شقيقها الشهيد وهي تروي كيف  حُرمت رؤيته منذ اعتقاله عام 1991 " آخر مشهد لفارس شاهدته في ذلك الحين على التلفزيون الإسرائيلي عندما هاجمه جنود الاحتلال في أحد شوارع تل أبيب ورفعوا عليه السلاح بينما كان شابًا صغيرًا، وضربوه بإعقاب البنادق ومن ثم اقتادوه إلى السجن".

بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 تمنت العائلة أن يكون ضمن المفرج عنهم، لكن حلم والدتهم التي كدّت لتربية أبنائها الثلاثة أيتامًا ذهب أدراج الرياح، وبقيت صامدة منذ ذلك الحين لم تترك مكاناً إلا وناضلت لرفع صوتها مطالب بالإفراج عنه، سواء باللجوء للمؤسسات المعنية أو بالمشاركة في الاعتصام الأسبوعي لذوي الأسرى أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر صباح كل يوم اثنين رغم تجاوزها الثمانين من العمر وانحناء ظهرها.

صورة أرشيفية لوالدة الشهيد فارس قبل وفاتها

تقول أم إياد :"واصلت والدتي رحمها الله النضال، كثيرًا ما كنت أمازحها بأني سآخذ شيئًا من أغراض فارس الموجودة في الغرفة، فكانت تنهرنا بقوة "إياكم تاخدوا اشي من غرفته" وكانت رغم فقدانها البصر تدخل غرفته وتتحسس الاشياء الموجودة داخل الخزانة وتحت السرير وتعرفها كلها قطعة قطعة فهي حضرتها بنفسها على مدار كل هذه الأعوام تحضيرًا ليوم الإفراج عنه".

وتحكي السيدة فايزة وهي التي قاربت الستين من العمر كيف انهارت والدتها عام 2012 عند تنفيذ صفقة وفاء الأحرار، إذ كانت تمنّي نفسها بالإفراج عنه وهو الذي كان الاحتلال يرفض إدراج اسمه في أي مفاوضات بشأن الأسرى، ولكن الوالدة زارت قيادات فلسطينية مطالبة بأن تشمل الصفقة ابنها، إلا أن هذا لم يحدث.

وتشرح أيم إياد كيف أصيبت الوالدة بالخذلان حينها، وما زاد هو زغاريدها التي لم تكتمل، إذ أفرجت سلطات الاحتلال عن دفعات من الأسرى ذوي المحكوميات العالية وأوردت الأخبار أن اسم فارس مدرج ضمن الدفعة الرابعة منهم والتي كانت مفترضة عام 2015، فكتبت الوالدة حينها على جدران المنزل عبارات تهنئة بخروجه من السجن وفتحت الأغاني داخل بيتهم وأطلقت الزغاريد وأقامت حفلًا مشهودًا، ولكن مرة أخرى يصفعها الخذلان، لتتراجع حالتها الصحية بشكل كبير حتى توفيت.

وتتحدث أم إياد كيف كانوا يتواصلون معه خلسة من خلال اتصالاته المتباعدة عندما يتوفر جهاز جوال معه، موضحة إنه لا يعرف أفراد العائلة إلا من خلال الأسماء والهاتف، لكنه ذات يوم تابع برنامج تلفزيوني حول ذوي الأسرى استضاف العائلة في إحدى حلقاته وشاهدهم على التلفاز.

وتضيف وهي تبتسم بمرارة: "اتصل بنا يومها ليمزح معنا وكلم بناتي كان أول مرة بيشوفهم ويقول فلانة حلوة بس فلانة أحلى، كان صاحب ضحكة ونكتة مع أن كل تواصلنا جوال، آخر مرة اتصل فينا قبل استشهاده بأسبوعين كلمنا كلنا في الدار، لأول مرة بيكلم الكل، وكان بيضحك".

وبمرارة تكمل :"كان لما يكلمنا نحاول نضحك ونطمنه علينا مع أن قلوبنا نار بس بدناش نزيد زعله، في يوم عرس ابني الكبير اتصل فينا وفتحنا خط الجوال عشان يسمع الأغاني ويشاركنا الفرحة ع الصوت لحد ما قطع الاتصال".

بعد وفاة والدته قبل عامين عانى فارس من تراجع سريع في وضعه الصحي وأصيب بعدة أمراض إلى أن أجرى عدة عمليات وعانى من الإهمال الطبي، تقول شقيقته إنهم كانوا على تواصل مستمر مع الصليب الأحمر الذي عجز عن فعل أي شيء يمكن أن يضغط على الاحتلال لتوفير الدواء له، فارس أخبرهم بنفسه أنه لا يتلقى العلاج المناسب ويعاني الإهمال الطبي وأن الأدوية التي يتم تقديمها له مفتوحة.

وناشدت أم إياد لإنقاذ حياة باقي الأسرى الفلسطينيين من براثن الاحتلال الإسرائيلي، هي تلقت صدمتها على شقيقها الذي تولت مكان والدته في الرغبة برؤيته حرًا، ولكن ما زال لدينا وقت لإنقاذ باقي الأسرى.

 

لنــا كلـــمة
صــــــــــورة