شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 فبراير 2019م05:28 بتوقيت القدس

التعليق السياسي في الصحافة العربيّة: بعض الملاحظات

02 فبراير 2019 - 07:45
شبكة نوى، فلسطينيات:

لستُ متمرّساً في كتابة التعليق السياسي في الصحافة العربيّة، إذ إن تجربتي محدودة: كتبتُ عدداً من المقالات في جريدة «السفير» ثم واظبتُ على الكتابة الأسبوعيّة في «الأخبار» قبل أكثر من عشر سنوات.

لكن كتاب جهاد الزين الجديد، «المهنة الآثمة: نقد تجربتي في الكتابة السياسيّة»، يُحفِّزُ على التفكير والكتابة عن الموضوع. وفي عصر الإعلام التلفزيوني والرقمي، تتعاظم المخاوف من اضمحلال مهنة كتابة التعليق والتحليل السياسي. نحن في زمن التفكير والتعليق السريع والآني، بجملة أو بتغريدة. وإعلام النفط والغاز بات يروّج لتعليقات دعائيّة ساخرة وجادّة على الشاشات كي تكون عنصراً فاعلاً في الدعاية السياسيّة.

لم يفِ الزين في كتابه المُمتع القراءة، والمُصاغ بقلم كاتب ينظمُ الشعرَ الجميل، الوعَد الذي ورد في العنوان عن ممارسة نقد ذاتي. أو هو ذكّرَ بالنقد على النسق التنظيمي ال لينين ي في لبنان في زمن الحرب الأهليّة، حين كان الرفيقُ يقدّمُ نقداً ذاتيّاً على طريقة عرض الفنانات والفنانين لسلبيّاتهم، من نوع: أنا كريمٌ لكن بإفراط، أو أن نضالي هذا الأسبوع أتى على حساب صحتي، إلخ. لكن الزين طرح عدة عناوين وموضوعات جديرة بالمناقشة والطرح والتحليل. جمهور القرّاء. على المُعلِّق أن يحدّدَ جمهورَ قرّائه لنفسه. هل هو أو هي تكتب للعموم؟ هل يكتبُ لجمهور خطّه السياسي حصراً (إذا كان لخطّه السياسي من جمهور، وهذا عبء)؟ أم هل يكتب للأعداء؟ والكتابة للأعداء متعة في الكتابة تتضاءل في لبنان في غياب صحف الطرف المعادي (لهذه الجريدة). الكتابة الأكاديميّة واضحة: هي كتابة لزملاء المهنة فقط لا غير. وكلّما أمعن الكاتب في صياغة المقالة بلغة الحرفة الأكاديميّة كلّما التزمَ بخط ّالمهنة ووافى شروط الوظيفة. والكتابة الأكاديميّة لها أصول وهي تُلقّن لطلّاب الدراسات العليا. أذكر أن حنا بطاطو اقترحَ عليّ، قبل تقديم أطروحتي للدكتوراه للمناقشة من قِبل اللجنة، أن أشذّبها من كل إطلاق، وأن أنزع إلى التخفيف من وزن التقييم أو التعميم. في لبنان والإعلام العربي، يكتب بعض الأكاديميّين كأنّهم يخاطبون جمهور الأكاديميّين فقط. قد تكون الصحف العربيّة نادرة في أنها تنشر أوراقاً أكاديميّة وهذا دليل على النخبويّة عند الكاتب، أو عند الناشر أو الاثنيْن. متى تحوّلت الصحيفة إلى جريدة نشر أكاديمي؟ هل هذا دور الصحيفة؟ وهناك كتّاب يدرسون الماجستير (وهذا سائد في لبنان خصوصاً) ممن يمزج بين كتابة التعليق والمقالة وبين عرض ما تلقّنه الكاتب أو الكاتبة في آخر صف في الجامعة، أو في نشر سَلسَلة بيبلغروفيا للصف الجامعي الأخير. قد يكون الغرض من ذلك هو رفع شأن الكاتب في نظر نفسه، لكن ذلك يحدّ من راهنية المقالة ومن جمهورها. وقد يعود ذلك للفصل الاجتماعي الرأسمالي التراتبي الثقيل في التصنيف حسب الشهادات. الاختصاص. كيف لا يمكن تجنّب الاختصاص في الكتابة في الصحف، أو في غيرها؟ إن عدم الاختصاص، أو عدم الاعتراف بالاختصاص، يؤدّي بالكاتب حكماً إلى ارتكاب المعصيّة، أي إلى النقل أو الاستعارة أو الاقتباس. كيف يمكن ألا يعترف الكاتب بحدود معرفته وإدراكه، خصوصاً أن المعلّق المعاصر بات متخصّصاً أكاديميّاً بدرجة ماجستير أو دكتوراه؟ الكتابة في مواضيع خارج اختصاص الكاتب توقعه في فخ تضليل القارئ - عن قصد أو عن غير قصد. الكاتب ذو الخلفيّة الأكاديميّة، مثلاً، يستغرق سنوات في الدراسة وقراءة مئات من الكتب والمقالات كي يصبح مختصّاً في موضوع بلد معيّن أو في موضع دراسة الغرب للشرق أو غيرها من المواضيع. أما تغطية كل المواضيع من دون تخصّص، فهي تحتّم السطحيّة في الإدراك. يسألني قرّاء دوماً: لماذا لا تكتب عن المغرب أو عن الاقتصاد، وإجابتي عن أن هذه المواضيع لا تدخل في نطاق اختصاصي لا تشفي غليل السائل. تعوّد القراء على الكاتب «بتاع كلّه». تعوّد القرّاء على عدم الاختصاص: هاكم وهاكنّ توماس فريدمان، الذي درس الشرق الأوسط في درجة الماجستير وعمل مراسلاً في الشرق الأوسط ثم أصبح معلّقاً حول كلّ شؤون الكون من دون استثناء. هذه القفزة حوّلت فريدمان إلى أضحوكة بين المختصّين بالرغم من دوام الحظوة له عند كتّاب ومعلّقين عرب.

لكن الاختصاص قد يدفع بالبعض إلى الاعتداد بالتخصّص إلى درجة مضحكة. كأن يرى المختص بالفلسفة أو الاقتصاد أن كلّ مَن لا يشاركه تخصّصه هو جاهل أو أقل أهميّة في المعرفة منه. وهذا ظاهر في الصحافة العربيّة. لا يمكن أن يتخصّص المرء «جديّاً» - كي نستعمل عبارة عزيزة على قلب جهاد الزين - في أكثر من موضوعَيْن. لكن أن يظن المتخصّص أن تخصّصه أهم أو أعلى مرتبة من تخصّص غيره فهذا يدخل في باب الاعتداد التخصّصي الصبياني.

والتخصّص، أو عدمه في هذا الموقع، كان يجب أن يمنع الكاتب عن الحكم على مسائل تاريخيّة. يكتب عن «حلف بغداد» (من منظور معادٍ لعبد الناصر) فيقول إن الموقف الناصري ضد حلف بغداد «كان متقارباً مع الموقف الإسرائيلي» (هو يلمِّح إلى أن التقارب كان تواطئاً أو «تفاهماً»).(ص. ٢٢٢-٢٢٣). هذه كأن تقول إن معارضة عبد الناصر لإيزنهاور هو تواطؤ مع الموقف الإسرائيلي الذي عارض تدخّل أيزنهاور ضد العدوان الثلاثي. وهو يقول إن انطباع «الكثير» من «المراقبين» (من هم هؤلاء المراقبون الذين يكثر الحديث عنهم في الصحافة العربيّة؟) عن حلف بغداد هو خاطئ، بما فيه فكرة تشجيع واشنطن للحلف لأنها كما قال الزين لم تكن عضواً فيه. هو يقول إن «حلف بغداد» كان يمكن أن يكون ضدّ مصلحة إسرائيل. لو راجع المؤلّف الوثائق والمراجع التاريخيّة (الرسميّة والأكاديميّة) لما أوحى بما أوحاه عن الموضوع ضد عبد الناصر. حتى وثائق وزارة الخارجيّة الأميركيّة تعترف برعاية واشنطن للحلف: فكرة الحلف كانت أميركيّة، حسب موقع وزارة الخارجيّة نفسه، من أجل «صد التوسّع الشيوعي». وحساسيّات الصراع العربي-الإسرائيلي وقوّة التيّار العربي المعادي للاستعمار هو الذي منع ضمّ أميركا وإسرائيل إليه. هذان العاملان جعلا الحكومة الأميركيّة تركّز على «القطاع الشمالي» كي تربط أنظمة موالية لها، بما فيها العضو الجنوبي في حلف شمال الأطلسي، بحلف الـ«سيتو» (سبق تأسيس الحلف الأخير لـ«حلف بغداد» بسنة). والحكومة الأميركيّة لم تكن بعيدة عنه فهي وقّعت اتفاقيّات ثنائيّة مع كل دولة من دول الحلف، وهي شاركت بصفة مراقب في اجتماعات لجان الحلف. لكن، هل هناك أسهل من استهداف عبد الناصر في «النهار» وفي كل الإعلام العربي؟ (يمكن للزين مراجعة مقالة «نيجيل جون اشتون، «خطف حلف: تشكيل حلف بغداد والتوترات الأنجلو-أميركيّة في الشرق الأوسط، ١٩٥٥-١٩٥٨»، «ريفيو أوف انترناشيونال ستديز»، نيسان ١٩٩٣، ومقالة أ.جلال، «نحو حلف بغداد»، «ذا انترناشيونال هستوري ريفي»، وعدد ٢، ١٩٨٩).

الأسلوب. يستعمل جهاد الزين في كتابه تعبير «الجاد» و«الجدّي» كثيراً في وصف نفسه كمعلّق وفي وصف مَن يحترم من المعلّقين. لكن ماذا يعني هذا النعت؟ الجاد هو المجتهد أو الرصين، والجدّي هو عكس المزوح، على ما يمكن الشرح. وسركيس نعّوم يكتب مقالات طوالاً مبنيّة على اتصالاته أو مراسلات يجريها مع خبراء يصفهم بـ«الجديّين» (غير مزوحين؟) في واشنطن. ماذا يعني هذا؟ الجاحظ، مثلاً، كان يخلط بين الهزل والجدّ في كتاباته، هل كان الجاحظ غير جاد مثلاً، أو هو كان جادّاً لكن غير جدّي؟ والقارئ العربي تعوّد على هذه الشخصيّة التي يُفترض بالكاتب -خصوصاً إذا كان يمارس العمل الأكاديمي - أن يتميّز بها عن العامّة: هي التي ترفع من المثقّف إلى مرتبة أعلى من أصحاب الوظائف اليدويّة. أحياناً يعترض القراء العرب على سخرية من الكاتب بالقول: إن السخرية لا تجوز بالأكاديمي (حملت كتابات ماركس الكثير من السخرية ومن التقريع المباشر أحياناً). جيّد أن يأخذ الكاتب مهنته ووظيفته - إلى حدّ ما - على محمل الجدّ، لكن أن يأخذ المرء نفسَه على محمل الجدّ فهذا يصل إلى خانة النرجسيّة. يعترف الزين أن السخرية غائبة عن كتاباته، لكنه - للأمانة - يعترف أن ذلك هو نقيصة (ص.٢٧٦).

أمّا لغة التحليل والتعليق السياسي في الصحافة فهذه أيضاً معضلة. هل يكتب الأكاديمي عندما يعلّق بلغة المهنة التي يخاطب فيها زملاءه في كتابات أكاديميّة متخصّصة أم أنه يخاطب الجمهور العام؟ جورج ويل (المعلّق في «واشنطن بوست»، والذي - بالرغم من يمينيّته ورجعيّته وصهيونيّته -أعتبرُه من أنجح المعلّقين من حيث ثراء مواضيع طرحه وتماسك كلّ تعليق يكتبه) كان أستاذاً في الفكر السياسي قبل أن يلتحق بمجلّة «نيوزويك»، وبول كروغمان لا يزال أستاذ الاقتصاد في جامعة برنستن، والاثنان ينجحان في مخاطبة الجمهور العام، خصوصاً كروغمان (ويل يستعمل الغزير من المفردات وبعضها ليس في متناول قاموس قارئ الجريدة العادي). أي أن الأكاديمي يبسّط أسلوبه كي يصل إلى العامّة في صحافة أميركا، فيما نلاحظ أن الصحافي في بلادنا يعقّد أسلوبه أو يضفي عليه شكل الكتابة الأكاديميّة ربّما كي يخاطب النخبة الأكاديميّة وحدها على افتراض أن العامّة لا تستحق جهد الكاتب الجاد والجدّي. أليس من واجب الكاتب (مهما كانت خلفيّته) الوصول إلى الجمهور العام؟ بكلام آخر، الأكاديمي يريد أن يصبح صحافيّاً - في الكتابة هنا - فيما الصحافي يريد أن يصبح أكاديميّاً في صفحة الرأي في بلادنا. هل ذلك يعود لجمود تصنيف العمل الذهني بناء على الشهادات والتخصّص والألقاب الأكاديميّة الفارغة؟

والزين يجهد في الاعتماد على الصحافة الغربيّة كمرجع لا يرقى إليه شك، وإيمانه بمهنيّة وحرفيّة الصحافة الغربيّة شبه مطلق. كما أنه يسترشد بآراء وتوقّعات خبراء غربيّين بلا كيف. لعلَّ الذي لم يمرّ في جامعات الغرب والذي لم يتعرّف عن كثب إلى خبراء مراكز الأبحاث يمكن أن يصاب بالانبهار عن بعد. أذكر أنني بنيتُ انطباعاً جد سلبي عن توماس فريدمان في أوّل لقاء لي معه، عندما شاركنا في حلقة دراسيّة في مركز أبحاث أميركي في أوائل التسعينيات. يورد الزين مثلاً في كتابه توقّع فوكوياما لـ «تصاعد الاضطرابات الداخليّة في إيران» بسبب البيئة (ص.٢٣٦). ماذا يعرف فوكوياما عن إيران وما قيمة توقّعات علماء السياسة، غربيّين كانوا أم شرقيّين؟ حنة أرندت كانت تقول إن التوقّع في السياسة لا صلة له البتّة بعلم السياسة. لكن الزين يجهد كي يتقرّب من إنتاج الغرب الصحافي وشبه الصحافي، إذ يخبر القارئ أنه تابع «عدداً، عدداً تقريباً بين ١٩٩٧ و٢٠١٥» مجلّة «فورين أفرز»، ويضيف أن لديه في مكتبته «مجموعتها الورقيّة شبه الكاملة إن لم تكن كاملة» (ص.٢٧٠). حسناً، ماذا يضيف هذا لعلم المعلّق ومعرفته؟ مجلّة «فورين أفرز» لم تعد على ما كانت عليه قبل عقود من تأثير، ولم تعد تجذب مَن كانت تجذبه من كتّاب ومن قرّاء. كانت السياسة تُصنَع على صفحاتها فيما تحوّلت أكثر في منحى تجاري وسياسي (بالمعنى المبتذل للكلمة). ويعتبر أن «هآرتز» هي أفضل جريدة في المنطقة (قد لا يعلم كثيرون أن الجريدة لا تحوز أكثر من ٤٪ من قراء دولة الاحتلال، وهي جريدة لليهود الليبراليين المهاجرين، ولنقدها لدولة الاحتلال حدود صارمة، حتى من أمثال جدعون ليفي. والجريدة الأولى في دولة الاحتلال هي جريدة تابلويد يمينيّة رجعيّة متعصّبة).

يحاول الزين أن يبدو أنه يتحرّر في كتابه من المحظورات، لكنه يقع فيها أكثر من مرّة. هو يتلافى الحديث عن المشاكل الأساسيّة للإعلام العربي: أي طغيان مال الأنظمة وأصحاب المليارات عليه (يمرّ على الموضوع علناً ومن دون أسماء). تراه لا يحدّد هويّة السيطرة السعوديّة وال قطر يّة على مقدّرات معظم الإعلام العربي، وعلى دور أصحاب المليارات في الإعلام القُطري في داخل كل دولة. الزين يمارس على نفسه رقابة ذاتيّة (مثل الرقابة الذاتيّة الذي اعترف بممارستها في الجريدة التي يكتب فيها) إذ يصف بندر بن سلطان هكذا: «مسؤول سابق كان بارزاً في بلد عربي» (ص. ٢٩٦). لماذا لا تقول بندر بن سلطان؟ ما أسباب التستّر إلى هذا الحدّ وهو متحرّر من رقابة الصحيفة - المباشرة والذاتيّة- الذي يكتب فيها؟ وهو لا يتحدّث بالاسم عن أنظمة وعن جرائمها وقمعها إلا في ما يتعلّق بالنظام السوري والإيراني، وطبعاً، ينال - على عادة الصحافة العربيّة اليمينيّة - من جمال عبد الناصر.

والقرار باختيار جمهور التعليق يؤثّر على مضمون التعليق. يبدو الزين كأنه يتوجّه في مقالات بالعربيّة إلى جمهور النخبة الغربي الذي يبالغ في تقديره واحترامه. يذكر الزين عدداً كبيراً من معلّقي الصحف الأميركيّة والفرنسيّة لكنّه لا يذكر إلّا أسماء قليلة لمعلّقين ومعلّقات من العرب. هو ذكّر - أو نوَّه - ثلاث مرّات (ص. ٤٧ وص. ١١٦ وص. ١٤٧) في الكتاب بمواقفه من الصراع العربي والإسرائيلي: هو قال إنه كان الوحيد بين المعلّقين العرب، مع سمير قصير، من الذين أيّدوا أوسلو. لكن العدد أكبر من الاثنيْن: صفحات «الحياة» كانت تعجّ بتأييد أوسلو، كما عجّت أيضاً صفحات صحف لبنانيّة وسعوديّة - اليوم كما في حينه. هو قال إنه يقبل بوجود «إسرائيل» في حالة قبلت هي بدولة فلسطينيّة (ص. ٤٨). لكن لِمَن يتوجّه بخطابه هذا؟ للجمهور العربي الذي يعرف أنه لا يوافقه الرأي؟ إلا إن كانت الحجّة هي في مقارعة أو تحدّي القارئ - وهي مقبولة - فلماذا لم يتحدَّ القارئ إلا في مشاعره نحو الاحتلال الإسرائيلي؟ هل تحدّي الزين قرّاء «النهار» في مواقفهم من الانعزاليّة اللبنانيّة وبشير الجميّل والتحالف مع إسرائيل؟ على العكس: لا في الجريدة ولا في هذا الكتاب. هنا، هو يستشهد بفيلم زياد الدويري (الذي استقى معلوماته حسب ما روى أكثر من مرّة عن «يوتيوب») كي يحكم أن معركة (هو يقول «مجزرة») الدامور هي «إحدى أكبر أهوال الحرب الأهليّة المتجاهَلة إنسانيّاً وتعبويّاً لولا زياد دويري» (ص.٥٥).

ويقول الزين إنه «أكثر الصحافيّين اللبنانيّين قدرةً، نسبيّاً، على أخذ مواقف متباينة بل حتى مختلفة» عن موقف الصحيفة التي يكتب فيها (ص. ١٤٢). لكن الحكم في هذه الشؤون متروك للقراء، وهذا الزعم يعرّض صاحبه للمساءلة والتمحيص. هل مِن قراء الزين مَن يوافق على أنه اختلف عبر السنوات مع موقف «النهار» من أنظمة الخليج أو من الكنيسة المارونيّة (أو الأرثوذكسيّة) أو من شارل مالك أو فؤاد بطرس أو بشير الجميّل أو «الزمن الجميل» أو أوسلو؟ هل مساحة التعبير في «النهار»، مثلاً، هي أكبر من مساحة «السفير» أو «الأخبار» - التي أزعم أنها أرحب صدراً في نشر مقالات تختلف مع توجّهات صاحبها (لكن الحكم في ذلك يكون للقرّاء، وليس لي).

وهناك أسئلة هامة لم يطرحها ولم يجب عنها الزين. ما حكم الصحافي الذي يكتب في صحيفة متوافقاً مع خطها التحريري، ثم ينتقل إلى وسيلة إعلاميّة أخرى متناقضة مع الخط التحريري للصحيفة التي كان يعمل فيها ويصبح تلقائيّاً مناصراً للخط التحريري للوسيلة الجديدة؟ هذه ظاهرة يزخر بها الوسط الإعلامي وليس هناك من يتحدّث عنها. الصحافيّون الذين يكونون يساريّين وعروبيّين في جريدة ثم يصبحون انعزاليّين يمينيّين في جريدة أو وسيلة إعلام تلفزيونيّة لا يشرحون للقراء أو للمشاهدين أسباب تغيّر القناعات. هل يمكن أن يكون الصحافي يتمنّى ألّا يلاحظ القارئ تغيّرات قناعاته وكتاباته؟ ولا يحدث أن حدّثنا، أو صارحنا، واحد أو واحدة من هؤلاء عن أسباب التنقّل الأيديولوجي السلس. ولماذا يكون التنقّل دوماً بين صحيفة أقلّ ثراء إلى وسيلة أكثر ثراء؟ ولماذا لا نعرف حالة واحدة من الانتقال الإعلامي من اليمين إلى اليسار، فيما كل الحالات تكون بالعكس؟ ألا يشير ذلك إلى تأثير المال على التوظيف وعلى القناعات وعلى الآراء، طالما نحن بصدد الحديث عن صفحات الرأي؟ هذا موضوع جدير بالدراسة والتحليل. عمل الزين في «الحياة» ثم «السفير» ثم «النهار» لكنه لم يحدثّنا لا بصورة عابرة عن اختلاف التجارب بين «السفير» و«النهار». هو تحدّث بإعجاب عن غسان وجبران تويني لكن هناك الكثير من تجربة «النهار» البعيد عن المهنيّة (مثل الولاء للمال الخليجي أو اعتناق الدعاية المعادية ضد الشيوعيّة بالمجّان؟) في حقبة الحرب الباردة؟ هل كانت الجريدة تتعامل بحرفيّة وموضوعيّة مع خصوم غسان تويني السياسيّين، أو خصوم ابنه فيما بعد؟ يمكن الرجوع إلى كتاب «سر المهنة» لتويني وكتاب «من مخزون الذاكرة» للويس الحاج (رئيس التحرير الفعلي في سنوات عزّ «النهار» والمسؤول عن نجاحها تحريريّاً) لإدراك تعثّرات ومخالفات الجريدة المهنيّة. وفيما يتستّر الكاتب عن «النهار» يفصل في موضوع هذه الجريدة - من دون أن يسمّيها وإن كان التلميح أقرب إلى المجاهرة -ويحكم أن «قراراً إيرانيّاً» كان وراء إنشاء جريدة «الأخبار». (ص. ١٩٣) أي إن إيران أرادت صوتاً يعبّر عن حريّات النسويّة وعن المثليّين فكان قرار الملالي في طهران بإنشاء هذه الجريدة وتوكيل أمرها إلى يساريّين وشيوعيّين ملاحدة. يتحدّث الكاتب عرضاً عن الكاتبات، لكن تناوله للموضوع أتى من منظور عنصري ذكوري (غير مقصود من قبله)، وهو لا يلاحظ غياب المعلّقات عن صفحات الرأي. هو يصف الكتابات النسائيّة (لا النسويّة) في مواضيع «تخص النساء كنساء» (أي غير المجال السياسي، أي إن السياسة لا تخصّ النساء حسب تصنيفه، إذ أنه ربطها «بأوضاعهن القانونيّة والاجتماعيّة والنفسيّة» (ص. ١٥٧) (كلها، إذ أنها - خلافاً لكتابات الرجال - تحتمل التعميم والإجمال) بـ«المجروحة». هذا التصنيف وهذا الوصف يقع في محاظير التنميطات الذكوريّة الكلاسيكيّة.

لا أريد أن أهمل هذا الكتاب أو أن أوحي أنني لا أحثّ الصحافيّين والصحافيّات الناشرات على قراءته. يطرح الزين، وبأسلوب مُحفِّز، الكثير من الأسئلة الهامّة عن العمل الصحافي. لكنه لم يجب عن الكثير من تلك الأسئلة، أو أنه أجاب عنها لكن بعد إخضاع نفسه لرقابة ذاتيّة صارمة.

منقول عن جريدة الأخبار اللبنانية

لنــا كلـــمة
صــــــــــورة