شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 22 مارس 2019م02:50 بتوقيت القدس

حُرمت توقيع ديوانها

كفاح الغصين وحلم إعادة الاعتبار للموروث الثقافي

27 يناير 2019 - 08:09
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

لم تحظ الشاعرة الفلسطينية كفاح الغصين بفرصة إطلاق ديوانها الشعري الجديد "عساك بخير" والذي تمت طباعته وإطلاقه في الشارقة بعد أن حرمها إغلاق المعبر فرصة حضور هذه المناسبة المهمة لكل شاعر وشاعرة، والحقيقة إن هذه ليست المرأة الأولى التي تُحرم فيها الغصين من تميل فلسطين.

الغصين التي لطالما حلقت أبيات شعرها في الفضاء، تعاني فرحة منقوصة جراء حرمانها من حقها في المشاركة في المهرجانات العربية أسوة بغيرها من الشاعرات العربيات.

"نوى" التقت الشاعرة الغصين، في حوار خاص لأجل الحديث عن إصدارها الأخير، وعن طموحاتها وأحلامها، وعن الواقع الثقافي في الأراضي الفلسطينية ومستقبله، وأشياء أخرى..

مبارك طباعة كتابك في الإمارات حديثًا كيف تمت مراسم إطلاقه دون مشاركتك؟

شكراً لك.. ولكنها فرحة منقوصة للأسف, فرحت من داخلي لقيام دائرة الثقافة بحكومة الشارقة, بطباعة ديوان شعر شعبي لي كان المفترض أن أقوم بتوقيعه ضمن فعاليات مهرجان الشارقة للشعر الشعبي هذا الأسبوع, ولكن إغلاق المعبر حال دون تحقيق ذلك, لذلك هي فرحة منقوصة, وصدقاً لا علم لي هل تم توقيعه بالإنابة عني, أم تم تأجيل ذلك, ما أعرفه أن الشعراء العرب الذين لهم تواقيع يقومون بها تباعاً على هامش المهرجان..

هذه ليست المرة الأولى التي يقف المعبر حاجزا دون مشاركاتك الخارجية،، ما الفرص التي فقدتيها وما الفرصة التي تعتقدين انها كانت غاية في الأهمية بالنسبة لك؟

طبعاً هي ليست المرة الأولى فقد سبقها عدة محاولات للسفر للمشاركة في برنامج شاعر المليون, ثم دعوة في المملكة الأردنية للمشاركة في مؤتمر للمرأة المبدعة, وعقبها دعوة لمشاركة في تونس في عدة أمسيات, والسنة الماضية كان هناك برنامج كامل لعدة أمسيات في فرنسا, وهذه المرة الإمارات العربية حيث مهرجان الشارقة للشعر الشعبي كممثلة عن فلسطين.

كيف يؤثر المعبر سلباً على المثقفين والمثقفات؟

لإغلاق المعبر تأثيرات بالغة السلبية على كافة شرائح الشعب, المرضى, الطلاب, ذوي الإقامات الخارجية, أصحاب التأشيرات, الزائرين, المغتربين, حتى جثامين أبنائنا الذين يموتون خارج غزة, مأساة كبيرة, وبالتالي المثقفين والمثقفات لهم نصيب وافر من الوجع, وحظ باذخ من الخسارات المتتالية, وخيبات أمل كبيرة لتمثيل الوطن بالخارج, مشهد غزة المتمثل بالمشاركات الخارجية مشهد مريض, أو لنقل مشهد مأساوي حزين, كثير من الدعوات لمثقفين ومثقفات ضاعت, مقعد فلسطين في كثير جداً من الفعاليات الخارجية للأسف كان يظل فارغاً في وجود كل الجنسيات التي ليس لديها ذات الهم وذات المأساة, هناك أيضاً مؤلفات للكثيرين لم يفرحوا باحتضانها بين أيديهم وأنا منهم..

خلال العام الماضي كانت لك مشاركات ثقافية لافتة سواء بالأمسيات أو بالندوات وورش العمل والتدريبات، أيها تعتقدين أنه كان الأهم من وجهة نظرك؟ وأيها حمل طابعًا جديدا؟

أحاول قدر الإمكان أن لا أغيب عن المشهد بقطاع غزة, أشارك قدر استطاعتي, وأحاول أن أكون حاضرة في المشهد الوطني والثقافي والاجتماعي ما استطعت, غزة رغم الوجع تتنفس ثقافة وبذل, تدفن ذاتها المتعبة في أتون العطاء, ولكن للأسف الفعاليات تقليدية في مجملها, لا تأتي بجديد ناضج, محاولات هنا وهناك للصعود, ولكن جميعها تتمحور حول التقليدي, أطمح بفعاليات لها روح جديدة, معظم الفعاليات الخاصة بالمؤسسات تأتي كنهايات مشاريع لذلك تأخذ طابع الوظيفة أو تحصيل الحاصل, والإشكالية أيضاً في أن الجمهور نفسه لا يتغير, أي أن الفئات المستهدفة هي ذاتها مع اختلاف الفئة.. ولكن رغم ذلك هي محاولات جميلة من بلد محاصر ومهمش.. ومن قطاع مغلق, خارج حسابات السياسة الوطنية.

تعملين حاليا على إنشاء فرقة لإحياء الأغاني التراثية بلون ورونق جديد،، ما المعايير التي تختارين الفنانين والفنانات وفقًا لها؟ وهل أنت فقط من تكتبين الكلمات للفرقة؟

حينما بدأت في تنفيذ حلم فرقة تغريبة الوطنية, كان هدفي أن تصبح لسان حال الشارع وطنياً وتعيد أمجاد فرقة العاشقين الرائدة, وتعيد الاعتبار للموروث الشعبي التراثي, أي تعيد للأذهان فن الزمن  الطيب الجميل قبل النكبة وقت أن كان الموروث مختلطاً بتراب بلادنا المغتصبة, كنت أريد أن ينضج أبناؤنا على هذه الثقافات الأصيلة, لتتبلور شخصيتهم الوطنية غير ملوثة بترهات العولمة, لذلك كان معيار الالتحاق هو الإيمان بالفكرة, عدا الصوت والأداء والالتزام, وقتها تقدم لنا العشرات من الجنسين, وكان من ضمن مخططي أن تكون كلماتي فقط هي الأساس حتي في الموروث الشعبي اعتمدت القالب التقليدي المعروف ولكن بصياغة كلمات ومفردات جديدة ...

ما طموحك مع هذه الفرقة إلى أين ستصلون..؟

كان طموحي أن تكون هذه الفرقة هي الأولى والمركزية التي تكون حاضرة في كافة الفعاليات وترصد أيامنا الفلسطينية, وذكرياتنا الوطنية, بل وتكون نموذجاً يحتذى به في الفعاليات, ولكن للأسف الشديد بعد أن جهز الأوبريت الأول.. وكنا مستعدين للعرض الذي ارتأينا أن يكون في ذكرى يوم الأرض الماضي, لم نستطع تأمين ما يلزم من تغطية مالية للعرض في مركز رشاد الشوا فنحن ليس لنا موازنة, فانفرط عقد الفرقة للأسف... ولم يتبق سوى حلم محبط لدى الجميع..

ما المعوقات التي تحول دون إطلاقك لمركز ثقافي خاص بك ..؟

للأسف الشديد جداً, ليس لدي الإمكانيات المالية التي تمكنني من أن يكون لي مركزي الثقافي الخاص بي, حلمت به كثيراً, وتشبثت بالحلم كثيراً, ولكن للأسف أمران لم يسعفاني, أولهما الإمكانيات المادية, وثانيهما لم أصادف وطنيون بمعنى الكلمة يدعمونني بهذه الفكرة للأسف, الجميع يستعرض كلامياً فقط, مع قناعتهم جميعاً بأنني أستحق, وبأنني كان بالإمكان أن أكون محور حلم للمئات من المبدعين الذين يؤمنون بي وبطهارة كلمتي ومواقفي وبالتالي أكون مرجعية لهم كمركز ثقافي وكشخصية مثقفة أديبة.

كيف أثّرت عليك تجربة غربة ابنك عدي الذي يدرس الطب وكيف تتعاملين مع هذه التجربة؟

تجربة اغتراب ابني هي أصعب تجربة مررت بها على الإطلاق, وأكثرها مرارة, ربما لأن ابني وحيد, وربما لأننا منذ ولادته لم نفترق يوماً, سفره للسودان للدراسة كان بمثابة انتزاع للروح تماماً, تجربة غربة عدي جعلت من قلبي بحيرة من وجع, ومن روحي فضاء للخواء, ربما جعلتني أصلب من السابق, ربما هي قسوة على الذات, وربما هي أيضاً عمّقت إحساسي بكل من غادره حبيبه, أصبح كل الشباب الذين هم في مثل عمره أولادي, أصبح قلبي قلب كبير يتسع المستضعفين أكثر, أصبحت أتأرجح بين مرارة الاغتراب وفجوة الغياب, أنا لا أتعامل مع هذه التجربة,  لست بوارد التعامل معها, أنا منذ سنتين ونصف أحاول إقناع نفسي بأنه غير موجود. 

لديك العديد من الصداقات على المستوى السياسي، كيف تنظمين علاقتك بالمستوى السياسي؟

أنا أولاً وقبل كل شيء أفصل الشخص السياسي عن اعتباريته تلك في صداقتي, وضعه السياسي له, لا يعنيني, لذلك صداقاتي مع كافة الأطياف راسخة وعلى أعلى المستويات, تربطني مع من هم أصدقاء لي علاقات إنسانية نظيفة, أرى فيهم فقط الجانب الإيجابي, أما الجانب الذي شوهته السياسة, ولوثه التنمق الحزبي, لا أراه ولا يعنيني أن أراه, أغض نظري عنه, لذلك أنا محور احترام المعظم, ليس لي أكثر من حقي, وتنتهي حريتي عند ابتداء حرية الآخرين.. ولذلك تجدينني أكتب للجميع, بوصلتي القدس, ونصب عيناي أرضي السليبة, ومفتاح العودة يتأرجح أمام روحي, عدوي المحتل وهو خصمي اللدود, وسرطان وعيي الخاص والجمعي هو الانقسام الذي أنتظر استئصاله, وكل من يشاطرني تلك المبادئ أجدني ملزمة للكتابة معه وله ومن خلاله.. قلمي حر لا ينافق ولا يهادن ولا يزكّي منكراً...

من الذي يؤثر في الآخر، هل السياسي يؤثر في المثقف أم العكس؟ وهل العلاقة بين السياسي والمثقف في فلسطين تشهد تكاملاً في الأدوار؟

المفترض أن يقود المثقف دفّة السياسة, وأن يوثر المثقف في السياسي لأن النضج الذي تتيحه الثقافة يفتح الأفق للسياسي, ولأن السياسي يتقوقع على جدلية الإقناع والاقتناع, فيلزمه وعي المثقف الأشمل في النظرة, هذا المفترض, ولكن للأسف المثقفون في بلادنا جميعاً يتبعون أجندات سياسية حزبية, وبالتالي هم على الأغلب أبواق داعمة للنهج السياسي لهذا الحزب أو ذاك, وبذلك يكون هنا السياسي هو المؤثر في المثقف, وللأسف لا يوجد تكامل للأدوار بينهما في الواقع الفلسطيني, فكلٌ يغني على ليلاه... اللغتان مختلفتان ...

كنت من أوائل من أطلق أغنيات انتفاضة الأقصى وفي رصيدك حينها 200 أغنية, أيها أقرب إلى قلبك.؟

الآن أصبح رصيدي في الأغنيات الوطنية التي تم إنتاجها للنور 318 عملًا بحمد الله, وبذلك أكون صاحبة أعلى رصيد في كتابة الأغنية الوطنية في فلسطين, كلها قريبة للقلب لأنها نبعت منه, ولكن ربما أغنية إرمي عليّ من السما, وشدي حيلك يا بلد, وشارة مسلسل الفدائي, هي أقربها لذائقتي...

سبق وأن هددك شارون بالقتل حين كتبت أغنية عدوي،، كيف حدث هذا التهديد وهل تعتقدين أنه كان جادًا؟

التهديد حدث بعد أغنية إرمي علىّ من السما, والتي انتشرت واشتهرت كالنار في الهشيم, وكانت تصدح في كافة الإذاعات والشوارع وقت زخم انتفاضة الأقصى, وقتها وعقب اجتماع للكابينت الإسرائيلي جاء تصريح شارون الذي تم نشره على صفحات يديعوت أحرونوت, وتمت ترجمته, أنه توعد من يشعلون الشعب بالقتل, وتم التطرق بالاسم لأغنيتي ولي شخصياً, وقتها الكثيرون طلبوا مني أن أكف عن الكتابة على هذا النهج, خوفاً على حياتي فكان ردي سريعاً بأغنية عدوي ياعدوي خفف محاذيرك.. وبالنسبة لسؤالك هل كان هو جاداً في تهديده, أقول لك ومنذ متى لم يكن جاداً في إجرامه, هو حتى بدون تهديد هو مثال للإجرام والبلطجة واللاضمير...

أنت من عائلة لها في باع في الأدب والشعر، ما الفرق بينك وبين باقي إخوتك في هذا المضمار؟

صحيح عائلتي فيها نماذج مبدعة جميلة, شقيقتي رائدة والمقيمة في الأردن هي كاتبة أدب أطفال ولها مؤلفات للأطفال صدرت عن مطبعة اليازجي للطباعة والنشر, وأتوقع لها مستقبل مبدع, وشقيقي رائد كاتب أغنية متمكن, وشقيقي بافل يمتلك ريشة مبدعة, ووالدي رحمه الله كان بالأساس عازف ربابة, ربما أنا أوفرهم حظاً في القبض على جمرة الإبداع المتعب, ربما موهبتي أنضج بحكم أنني متواجدة في المشهد, وبحكم ثقافتي الأكبر, ولكن هم أيضاً لو أتيحت لهم الإمكانيات لكانوا أسماءً لامعة .. الظروف تقتل الإبداع فنحن أبناء المخيم قليلوا الحظ والإمكانيات..

تثقفت على يد الأدب الروسي, كيف أثّر هذا في شخصيتك..؟

ثقافتي كانت نتاج خليط من الخلاصات الفكرية لشعوب مختلفة ربما ابتدأت بالأدب الروسي شأن الكثيرين, ولكن كلما تطوّر النضج المعرفي كان المرء نهِماً للاستزادة, اطلعت على الأدب الإنجليزي, والفرنسي, والكردي, وخلافه, ولكني تمركزت حول الأدب العربي والإسلامي, لدى العرب موروث ورصيد أدبي لا يستهان به, في كافة مناحي الأدب, شخصية المرء هي محصلة لما يلقى بها من بذور, تلك البذور جميعها شكلت ملامح نبتة الإبداع لدي, تعلمت من كافة الثقافات, فالدهشة التي تعتريك لدى الأدب الروسي, والتكثيف الذي تناله من الأدب الفرنسي, والمفارقات في الأدب الإنجليزي, والسرد في الأدب الكردي, والتصوير في الأدب العربي, وملامح الحكمة في القديم من الموروث, كل هذا .. من المؤكد أن يلقي بظلاله في الروح والقلب واليراع..

ما الفرق بين الأديب المثقف والأديب الذي يمتلك فقط قدرة على الكتابة بالموهبة؟

الثقافة مهمة للأديب, وإلا فإنه يتمحور حول معتقده ونقاط اهتمامه فقط, ورويداً رويداً ينضب مَعينه, كلما زاد منسوب بئر الأديب من ثقافات, يكون دلوّه طافحاً حين السقاية, الثقافة مَعين الأديب, أما الأديب الذي يمتلك موهبة الكتابة فقط, تضمحلّ فكرته حين الاستنساخ, يتكور على معتقده, ويجتر ذاته التي تبهت من البوح المتكرر الخالي من التجديد والإحاطة, الأدب ليس استعراض لغة ومفردات وتراكيب, الموهبة تحتاج إلى دواعم أهمها الثقافة المتجددة.

ما رأيك في التجمعات الثقافية المنتشرة حاليًا؟

باعتقادي هي ظاهرة إيجابية وسلبية بنفس الوقت, إيجابياتها تكمن في أنها محاولات إيجاد الذات في مجتمع منشغل بالانقسام وبالحصار وبلقمة العيش المُرة, محاولات محترمة في ذاتها لكونها تحاول ان تجد لها موطئ قدم في مجتمع لا وزارات فاعلة فيه, ولا مؤسسات جادة تقدم العون ولا آذان مصغية، لا للإبداع ولا لرواده ومتعاطيه.. ولكن سلبياتها تكمن في أنها سمحت لتداخل الغث مع السمين, وسمحت لأدعياء الأدب بأن يطفوا على سطح العلن وسطح الوسط الثقافي الذي أصبح لا يميز بين الصواب والادعاء في كثير من التجمعات, أيضاً هناك ظاهرة أمقتها هي ظاهرة النفاق الثقافي, "التسحيج" لمن هم براء من الأدب الحقيقي, وإعطاؤهم حجوم عملاقة تضر بالمشهد برمته..

ما طموحك وما معوقات تنفيذه

طموحي كبير لم يصغر, أطمح في أن يكون لي بيتي الثقافي الخاص بي للإبداع, مؤسستي الخاصة بي, الذي ألملم فيه شتات المستضعفين مثلي من الأدباء الحقيقيين, والمبدعين الأصليين, أخرج فيه عن التقليد وأكوّن مدرسة فصولها مليئة بالمثقفين الوطنيين الجادين, وطلابها ممن لديهم الموهبة الحقة والرغبة في التطور.. أحلم بمكان يكون له عبق الجدية ومسك الوطن.. العائق هو هو كما قلت في بادئ الحوار.. الإمكانيات المادية, والوطنيون الحقيقيون الذين يؤمنون بالفكرة ويدعمونها..

لنــا كلـــمة