شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 19 يناير 2019م22:59 بتوقيت القدس

عبد الرؤوف المحتسب: "بيتي مش للبيع"

13 يناير 2019 - 08:09
جمانة النتشة
شبكة نوى، فلسطينيات:

الخليل:

حين تتجول في أزقة البلدة القديمة بمدينة الخليل، ستمر بالسوق التجاري القديم، ستسمع أصوات التجار كلٍ ينادي باسم سلعته ومواصفاتها وبلهجةٍ خليلية "تفضلي يا عمي عنا كل أنواع المطرزات وبعملك سعر".

أصوات الناس تعلو في كل مكان وباللهجة الخليلية السائدة التي توارثها أصحاب الأرض، في آخر منعطف للسوق سترى حاجز الحرم الإبراهيمي، بوابة الكترونية مدعّمة بكاميرات المراقبة. هدوء عم المكان تلاشت أصوات الناس إلا من صوت جندي إسرائيلي مدجج بالأسلحة ينادي  بلغة عربية ركيكة "يلا واحد واحد  شوي شوي"، على الفلسطينيين الذين يعبرون الحاجز للوصول إلى بيوتهم في الطرف الآخر. 

ربما تمر عن الحاجز وربما تعود من حيث أتيت، إذا اعتقدت أنك مررت بسلام عن الحاجز الأول فأنت مخطىء؛ لأنك ستخضع لعدة حواجز ونقاط تفتيش أخرى، فالبلدة القديمة بمدينة الخليل فيها 18 حاجزًا لا يبتعد أحدها عن الآخر عدة أمتار، وعند اجتيازها ستصل إلى شارع (السهلة) القديم، الواصل بين شارع الشهداء مع طريق الحرم الإبراهيمي الشريف، طريق فارغ إلا من جنود ومستوطنين مدججين بالأسلحة النارية، تمشي هناك فينظر إليك كأنك الغريب في وطنك لا هم الغرباء في وطننا.

عشرة أمتار لا تسمع فيها صوت فلسطيني، فقط أصوات خطوات الجنود العسكرية، في نهاية هذا الطريق القصير ستجد حاج فلسطيني مبتسم ينظر إلى القادمين فخور بهم، يجلس في محله التجاري المقابل للحرم الإبراهيمي يحرسه ويصلي به، ستسمع صوته يرحب بك " تفضلي يا عمي أهلا وسهلا شو تشربي شاي ولا قهوة؟ فإكرام الضيف من صفات أهل الخليل.

هذا الفلسطيني اسمه عبد الرؤوف المحتسب (60 عاماً)، عانى الكثير من الصبر ومواجهة المستوطن، على الرغم من الاعتداءات المتكررة والأضرار المادية والجسدية التي ألحقها المستوطنين بعبد الرؤوف وعائلته، والمبالغ المادية الهائلة التي عرضوها عليه إلا أنه رفض ذلك كله، وبقي في بيته ومحله التجاري صامدا مرابطا محتسبا متحملاً كل الأذى والضغوطات التي يعيشها، "أنا عايش هون انولدت هون بهادا البيت، زي م انتِ شايفة يا عمي عايشين بين الحواجز المنطقة هون كلها حواجز، إذا بدنا نجيب مونة أو غاز أو اغراض للبيت كله بتم تفتيشه على الحاجز، بنشف ريقنا لما بدنا نطلع أو حتى لما نرجع على البيت لازم بوقت محدد، ممنوع بعد الساعة 8 بالليل، وإذا جيتي بعد الساعة 8 بتبقي برا ممنوع تدخلي".

ممارسات إسرائيلية تمثلت باعتداءات متكررة وأضرار مادية وجسدية يلحقها المستوطنين بعبد الرؤوف وذلك بحماية الجيش الاسرائيلي، تكسير بضاعته المتمثلة بالزجاج والخزفيات الفلسطينية، كل ذلك بهدف الضغط عليه ليبيع بيته ومحله التجاري للمستوطنين.

 يقول عبد الرؤوف عن حوار دار بينه وبين المستوطن (باروخ مارزل) عندما أتى إلى محله وبرفقته 25 مستوطنا بهدف الشراء، وكيف اعتدوا عليه وكسروا محله: "قلت له إلى أين داخل؟ بحكي لي بدي اشتري من عندك، بحكي له مين قلك إني بدي أبيعك؟ انت دايما بتقول ما تشتروا من مثل هذه المحلات لأن هذه المحلات تدعم حماس والجهاد، وأنا ما بدي أخليك تنفع حماس والجهاد، مع السلامة ما بدي تشتروا من عندي، بالقوة والزعرنة بدو يدخل كسروا محلي وضربوني انا وابني والشباب اللي كانوا عندي، وضربوني بعصاية حديد على راسي".

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي يتعرض فيها المحتسب إلى اعتداء من المستوطنين، فهذه المرة تبعها عدة مرات أخرى، فصمود المحتسب في منطقة إدارية عسكرية تسعى إسرائيل للسيطرة الكاملة عليها وإفراغ الفلسطينيين منها يؤرق دولة الاحتلال.

اختار عبد الرؤوف البقاء في مكان ولادته وفي أرض أبيه إبراهيم عليه السلام، لم تهزه أو تثنيه المبالغ المالية عن الصمود في وجه مغتصب صهيوني، على الرغم من أن الوضع الاقتصادي يتحول من سيء الى أسوأ في البلدة القديمة، حيث وصلت المبالغ المادية التي عرضها عليه المستوطن (جوزيف كوتنيك) إلى ملايين الدولارات مع امتيازات وتسهيلات سفر لأي مكان يريده، لكن عبد الرؤوف كان رده: "هالسيجارة وكاسة القهوة اللي بشربهم هون أحسن من كل ملايينهم _بيتي مش للبيع_"، ثم تحدث عن حوار جرى بينهم: "سألته أنتم تدفعون هذه المبالغ لتشتروا أرض أبيكم إبراهيم؟ فأجابني: نعم، قلت له والله برافو يعني بتقبل تكون انت ابنه المنيح وأنا ابنه قليل الحيا انت الذي تشتريه وأنا الذي أبيعه؟ والله ما ببيع أرض أبي ابراهيم بكل مال الأرض".

ستون عاماً تسعى إسرائيل بشتى الطرق والممارسات أن تبعد عبد الرؤوف عن البلدة القديمة بهدف تفريغ الفلسطينيين من المنطقة، وما عبد الرؤوف في صموده إلا نموذجا من عشرات النماذج في البلدة القديمة بالخليل، ما الذي يدفع الانسان لكي يعيش وسط الجنود المدججين بالأسلحة النارية واعتداءاتهم المستمرة على الفلسطينيين؟

وما الذي يدفعه للبقاء وسط سجن كبير يتجول داخله فقط ضمن حدود معينه يخضع فيها للتفتيش اليومي والتفتيش في كل خطوة يخطوها حول منزله؟ إنّ الدافع هو الصمود وصراع إرادة بقاء الفلسطيني في أرضه ووطنه.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير