شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 22 مايو 2019م08:42 بتوقيت القدس

قراءة في رواية ( هذيان الصمت) لمنى النابلسي

10 يناير 2019 - 11:03
شبكة نوى، فلسطينيات:

عبد الله الشاعر
تتعدّد الدوافع للكتابة، فقد تكون محاولةً من الكاتب للشفاء من سُقم الحياة، وقد تكون تعبيراً لغويّاً عمّا تحلم به النفس وتشتهي، وكثيراً ما تكون هروباً من واقعٍ بائسٍ نحو خيالٍ أرحب، وآفاقٍ لا تضيق بالزمان ولا المكان، لكنّها رغم كلّ تلك الدوافع السابقة إلا أنّ ثمَّ هدفاً كبيراً يتطلّع إليه الروائيُّ، وهو الإمساك بيد القارئ، وأَخْذِه إلى دهاليز نفسه التي يجهلها، وأسرار روحه التي يُغمضُ عينيْه عن إدراكها، وإنّي لأحسب أنّ هذه الرواية جاءت لتطلعنا على أسرارنا التي نعجز عن البوح بها حتى لأنفسنا!

في روايتها المُعنونة بِ(هذيان الصمت)، والصادرة عن المكتبة العربيّة للنشر والتوزيع، والحاصلة على المرتبة الأولى في مسابقة القطّان للأعمال الأدبيّة، تُقدّم لنا الروائيّة المقدسيّة منى النابلسي عملاً أدبيّاً في غاية الإدهاش والتشويق.

في النص صمت حدّ الاختناق، وبكاءٌ حدّ العويل، فليس ثمة إحساسٌ أصعب من الخيبة ،وليس هناك خاتمة محزنة أقسى من أن يدرك المرء بعد رحيل العمر بأنّه كان يطارد خيط دخان .

بدأ النص بفتح بوابة القلب على مِصْراعيها، تعصف به الريح القاتلة، والذكريات الموجعة، والسؤالات التي لم تزل عالقة في القلب، تُدميه كلّ لحظة وحين، وتوغل فيه كسيفٍ صدئٍ لا يرحم.

في النص وجعٌ مكابر، وحنينٌ لم تستطع الكلمات التستّر عليه، فثمّ مشاعرُ ليس بوسع الغضب إخفاءَها.

دلالة العنوان: الغلاف سفيرُ الكتاب إلى القرّاء، وهو البصمةُ الأولى التي يتركها في وعيهم، من خلال عنوانه، أو صورة غلافه، وقد اعتاد الناشرون على منح الغلافِ أهميةً كبيرةً؛ لأنّ الغلاف الجيّد سيضمن لهم قارئاً، تمّ يتكفّل النصُّ بعدها بتأكيد الانطباع الحسن عن الكتاب، أو نفيه.

اختارت الكاتبة منى النابلسي لروايتها اسم:" هذيان الصمت"، وقد كان اختيارها لعتبة نصّها موفّقاً جدّاً؛ فقد نجحت في جذب الاهتمام لهذه الرواية، وإثارة فضول القارئ نحوها، حيث يثير عنوانٌ كهذا في نفس القارئ رغبةً قويّةً في الاطّلاع على النصّ، ويفتح للرواية آفاقاً رحبةً من الإقبال عليها لفكّ غموضها. ويجدر التنويه – هنا- بذكاء الكاتبة حين اختارت عنواناً يحمل استعارة تنافريّة، ونعني بها الجمع بين مفردتين لا علاقة تجمع بينهما، في محاولة من الكاتبة إحداث صدمة للمتلقي من خلال تلك العلاقة الغريبة التي أقامتها بين مفردتين متنافرتين، وكأنّي بها تريد من العنوان أن يكون دالّاً من بدايته على تلك العلاقات التي تنشأ في المجتمعات دون أن يكون هناك مبررٌ مقنع لنشوئها.

هل يمكن للصمت ان يكون صارخاً وعنيفا؟

هنا تكمن أهميّة هذا العنوان المستفز للوعي، والمثير للفضول، والقادر على استلهام فكرة الرواية، وإعادة إنتاجها في مفردتين جامعتين.

لندخل الآن إلى تفاصيل الرواية، حيث تناقش الرواية فكرة رئيسة، مصحوبة بأفكار ثانويّة عديدة، فالفكرة الرئيسة تتمحور حول ( البوح النسائيّ الصاخب بصمت في مواجهة البلادة والأعراف، والنكران، والخيبات الموغلة في القلب كجرحٍ لا يبرأ)

فيما تُعرّج الرواية على جملة من الأفكار التي تساهم في بناء النصّ الدراميّ، وتمنحه الفضاءات الدلاليّة اللازمة، حيث تناولت معاناة المقدسيّين بسبب الأوضاع القانونيّة لأهلها، إضافة إلى التطرّق إلى بعض الجوانب الاجتماعيّة في المدينة. كما عرّجت الرواية على طبيعة الثقافة التي شكّلت وعي المتديّنين حول الزواج، والتي أغرقت الأسواق في تسعينيّات القرن الماضي، وأثر هذه الثقافة على طبيعة العلاقات الزوجيّة.

تقدّم الرواية مشهداً تاريخيّاً جيّداً وعميقاً لمرحلة مهمّة من حياة الشعب الفلسطينيّ، والمتعلّقة بقضيّة التحقيقات التي يقوم بها المعتقلون بحقّ من يظنون بهم التخابر مع إدارة السجون، وما ترتّب عليها من مظالم بحقّ بعضهم، كما تكشف الرواية ، بما أوتيت من لغةٍ وأساليبَ، عن واقعٍ مُكتظٍّ بالقهر والضنك، فيما غدا العالم الافتراضيّ، وصفحات التواصل الاجتماعيّ نفقاً تعبره أرواحنا للهروب من واقعٍ اجتماعيٍّ يُلقي بثقله على حياة كثيرٍ منّا، وتصير تلك الشبكة العنكبوتيّة أمتنَ من واقعنا الواهن، وأرحبَ من حياتنا المُكرهة على التعايش مع ظروف القسوة والشقاء، لهذا بدأت الرواية قويّةً ومتينةً بما استطاعته من حفرِ أنفاقٍ أسفل الظاهر الخدّاع؛ لنعبر إلى خبايانا التي تكتنز أوجاعنا وهمومنا، وتطلّعاتنا المكبوتة، وآمالنا المُصادرة تحت طائل الخوف، والرعب، والعيب، والمُقدّر والنصيب.

تُحدث الرواية بما تمتلكه من تشويقٍ تفاعلاً وانفعالاً كبيريْن لدى المتلقي، حيث بدت اللغة مكثّفةً وشاعريّة آسرةً، وجاء السرد متيناً، والبناء محكماً، والفكرة عميقة، وكيف لا تكون الرواية بعد ذلك مَرهَماً لجروحنا التي تزيدها الأيام وجعاً، والصمت التهاباً؟

استطاعت الكاتبة من خلال روايتها إرساء ملامح هويّة أدبيّة مميّزة، عنوانها جمال التعبير وبلاغته، تلك الجماليّة التي غرست في القارئ رغبةً قويّةً في متابعة الحكاية، والتفاعل معها.

تبدأ الكاتبة روايتها بحشدٍ من التساؤلات المرّة، تلك التساؤلات التي تعبّر عن الخيبة والحَيْرة والضياع، فالمرأة حين تفقد الحضور الحقيقيّ للزوج تنتقل إلى حياة اليُتم العاطفيّ والاجتماعيّ، وتغدو أسيرةً للوساوس والظنون، وتنهمر عليها سيولٌ من الأسئلة الحارقة التي تكوي قلبها، وتتركه عارياً في مهبّ الريح؛ بانتظار أيّ غطاءٍ يَقيه بردَ البُعد والجفاء، وانشغال الزوج عنه بما لا يقنع الزوجة، ولا يُهدهدُ أوجاعها.

لا تخلو الرواية من استدعاءٍ خفيٍّ تارةً، ومُعلنٍ تارةً أخرى للاستبداد، بصوره المختلفة، سواءً أكان من حاكمٍ يستبدّ بالرعيّة، ويصادر كامل حقوقها، أم من زوجٍ يستبدُّ بالزوجة، ويسحق كلَّ عواطفها، ففي الصورتين طاغيةٌ وضحيّةٌ، ومستبدٌّ ومستضعف!

هل كانت بطلة الرواية متمرّدةً، أم موجوعةً تصرخ من شدّة الألم؟

إنّها صرخة اللاجئ حين يفرُّ من غربته؛ بحثاً عن وطنه، فيجد نفسه أشدّ اغتراباً، وصرخة امرأةٍ حين تأوي إلى زوجها فتجد قلبه متصحّراً وبارداً، ويغدو تعلُّقها به شكلاً قاسياً من أشكال العبوديّة التي لا بدّ من كسرِ أغلالها، والانعتاق من قيودها الظالمة.

إنّها حكاية كلّ فتاةٍ تقع في حبّ رجلٍ، فيتحوّل الحبّ إلى لعنةٍ، وتنقلب معه الحياة إلى ضنكٍ وكآبة.

تسعى الرواية من خلال محطّات أحداثها المتتالية إلى التأكيد على جملة أمورٍ، يمكن تلخيصها بالآتي:

تحلم الفتاة في فترة الخطوبة بما لا يحلم به الرجل...إنّها تبدو متعطّشةً للحبّ والاهتمام، فيما يكون الرجل مدفوعاً برغباته، وهذا من شأنه ألّا يُحدث التوافق الروحيّ بينهما، حتى وإن ظهر هناك قبولٌ واتفاق، فما هو إلا من قبيل المداراة...إنّها تثير أزمة الانسجام الروحي بين الأزواج، بعيداً عن سطوة الشهوات، واستحواذها على كلّ شيء.

الحضور العاديّ للزوج في البيت يُفقد الحبّ والعلاقة دفأهما، ويكتسحُ المكان ببرودةٍ قاتلة، لذلك فإنّ الرجل يتحمّل قدراً كبيراً في تحصين قلب زوجته، ومنعه من الانحراف، وإنّ المرأة لا تلجأ إلى رجلٍ آخرَ إلّا إذا خاب رجاؤها في رجلها.

الأمومة والأطفال هما أبرز ما يُخفّف عن المرأة خيباتها، ويشغلها عن مواجعها الزوجيّة.

تستطيع المرأة ترميم جراحات زوجها، ويمكنها صُنعَ قصرٍ من خرابات روحه، فيما يعجز بعض الأزواج عن مداواة جرحٍ في قلبها، وفي الوقت الذي تصفح فيه المرأة عن أخطاء الزوج الكثيرة والمهينة، فإنّه يعجز عن تجاوز خطأٍ واحدٍ لها.

المرأة في البلاد العربيّة لا تبلغ سنّ النضج أبداً، وعليها أن تظلّ تحت وصاية أحد.

الرجال في وعي المرأة مجرّد نصّابين يحسنون بيع الوهم، وكلّ بضاعاتهم العاطفيّة مزوّرةٌ وفاسدة!

قد تحتمل المرأة غياب الرجل سواءً أكان حبيباً، أم خطيباً، أم زوجاً، لكنّها لا تقوى على غيابه حين يكون أباً للعيال.

يعتقد الرجال أنّ الكرامة شأنٌ رجاليٌّ بحت، أمّا النساء فلا كرامة لهنّ، ومن السهل على الرجل إهانتهنّ والإساءة لهنّ دون أيّ اعتبار لمشاعرهنّ.

إشارات ودلائل

1- تعمّدت الكاتبة إغفال ذكر اسم ذلك الشاب" صاحب الجريدة" الذي حاول استدراج بطلة الرواية؛ تأكيداً منها على أنّه نكرةٌ وساقطٌ ولا يستأهل ذكر اسمه، بل ربّما تعمّدت الكاتبة تنكيره من قبيل أنّه لا شيء، وليس أكثر من وسيلةٍ قذرةٍ يعتمدها الاحتلال في حربه ضد الفلسطينيين.

2- جاء الحوار في الرواية مُقلّاً؛ ولعلّ ذلك تعبيرٌ عن انعدام لغة الحوار والتفاهم بين بطلة الرواية وزوجها، ممّا ترتّب عليه انفصامٌ روحيٌّ كبير.

خلاصة

لا يخرج قارئ الرواية إنْ كان رجلاً دون أن يكون مثخناً بالوجع، والعرق ينزف من كلّ أطرافه، فيما تخرج المرأة وقد نكأت الرواية كثيراً من جراحاتها التي تعرفها، وتلك التي تكتوي بنارها دون أن تتمكّن من وضع يد الوعي عليها.

فيما تخلص الرواية إلى تأكيد قضيّة هي - في نظر بطلتها-السبب فيما يحلّ في البيوت من خرسٍ زوجيٍّ، ومن جفاءٍ وخواء...تخلص إلى أنّنا لم نفهم، بعدُ، المعنى الحقيقي للزواج ، باعتباره ذلك الرباط المقدّس الذي يربط الرجل والمرأة برباطٍ روحيٍّ متين.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير